مأساة السيول المفاجئة على الحدود بين نيبال والتبت
في واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي ضربت المنطقة مؤخراً، اجتاحت سيول عارمة وانزلاقات طينية الحدود بين نيبال والتبت، متسببة في فقدان أثر المئات من الأشخاص، بينهم عدد كبير من الأجانب، وراح ضحيتها أكثر من 380 شخصاً، بحسب ما أفادت به السلطات النيبالية لتقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC.
الحدث المأساوي وقع بينما كانت المنطقة تستقبل آلاف الحجاج من مختلف أنحاء العالم، لزيارة جبل كايلاش، الذي يُعد من أقدس المواقع لدى الهندوس والبوذيين. السيول والانهيارات الطينية باغتت الجميع، وأدت إلى قطع الطرقات وجرف قرى بأكملها، وسط عمليات بحث وإنقاذ مستمرة في ظروف بالغة الصعوبة.
عائلات في الانتظار: قصص مؤثرة لذوي المفقودين
من بين العائلات المكلومة، برزت قصة الشقيقتين شريا وأشنا أهوجا، اللتين تعيشان حالة من القلق الشديد بعد فقدان الاتصال بوالديهما، ديباك ومادو أهوجا، اللذين سافرا من ولاية تكساس الأمريكية للمشاركة في رحلة حج جماعية إلى جبل كايلاش. تقول الشقيقتان للـ BBC: “مر يوم واحد فقط، لكنه بدا لنا كأنه دهر”. وتضيفان: “نحب والدينا كثيراً ونريد فقط عودتهما سالمين”.
تؤكد إحدى الشقيقتين أنها تحدثت مع والديها قبل وقوع الفيضان بقليل، دون أن تدري أن الساعات التالية ستشهد كارثة إنسانية غير مسبوقة في المنطقة. تشير تقديرات أولية إلى أن أكثر من 1,300 شخص لا يزالون في عداد المفقودين، بينهم عشرات الأمريكيين والكنديين، فيما أكدت السلطات النيبالية وفاة أكثر من 380 شخصاً حتى الآن.
تفاصيل الرحلات المنكوبة وأثر الكارثة على الحجاج الأجانب
لم تكن عائلة أهوجا الوحيدة التي لم تتلق أي أنباء عن ذويها. راديكا شارما، المقيمة في نيويورك، فقدت الاتصال بوالديها راميش شارما (65 عاماً) ونيلام شارما (64 عاماً) أثناء رحلتهما الأولى بمفردهما بعد التقاعد، إذ كانا أيضاً في طريقهما إلى جبل كايلاش عندما ضربت السيول. تقول راديكا: “كل ما أريده هو معرفة مصيرهما، لا أملك أي إجابات حتى الآن”. وتوضح أن آخر ما عُرف عنهما أنهما كانا على الحدود في الساعة الثامنة صباحاً، أي قبل الكارثة بساعة واحدة تقريباً، معربة عن أملها بأن يكونا قد تمكنا من العبور إلى الجانب التبتي.
العديد من الأسر الأمريكية والكندية تقف اليوم في حيرة وقلق، وسط غياب المعلومات المؤكدة حول مصير أقاربهم. وقد تواصلت عائلات المفقودين مع وزارة الخارجية الأمريكية وسفارات الولايات المتحدة في دلهي ونيبال والصين، دون الحصول على بيانات ملموسة حتى وقت كتابة هذا التقرير.
مجموعات الحجاج والمنظمات المتضررة من الكارثة
من بين المفقودين، هناك 77 شخصاً كانوا ضمن رحلة حج نظمتها مؤسسة “إيشا” غير الربحية، ومقرها الهند ولها فرع في ولاية تينيسي الأمريكية. أشارت ليزلي كريسب، ممثلة المؤسسة، إلى أن المجموعة كانت تستعد لإنهاء إجراءات الهجرة في مبنى مصمم لمقاومة الزلازل بالقرب من الحدود، حين باغتتهم السيول. وأعربت كريسب عن حزنها قائلة إن أفراد المجموعة كانوا “بمثابة عائلة واحدة”.
ومن ضمن المفقودين أيضاً، برابهاث ساجيبا، أمريكي يعمل في مجال البرمجيات في ولاية كاليفورنيا وعضو في مؤسسة “إيشا” منذ سنوات، حيث عبّرت ابنة أخته من ألمانيا عن أملها في أن يكون بخير.
الهلال الأحمر والسلطات المحلية يواصلون عمليات البحث، وسط ظروف مناخية صعبة للغاية، فيما تزداد مخاوف ذوي المفقودين مع مرور الوقت وغياب أي أنباء مؤكدة.
جهود الإنقاذ الدولية ودور الحكومات الأجنبية
أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن سفارتها في نيبال تتابع الأوضاع عن كثب، وتعمل مع وكالات السفر المحلية والسلطات لتقديم الدعم للمواطنين الأمريكيين المتضررين. غير أن المسؤولين امتنعوا عن إعطاء أرقام دقيقة أو تفاصيل إضافية حفاظاً على خصوصية الأفراد.
من جهته، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن إدارته عرضت المساعدة على الحكومة النيبالية، مشيراً إلى إرسال مساعدات والتواصل مع القيادات هناك لتقديم أي دعم مطلوب. وفي كندا، أفادت وزارة الخارجية بأن نحو 30 كندياً ومقيماً دائماً في نيبال والتبت لم يُؤكد بعد مصيرهم، في حين يبلغ عدد الكنديين المسجلين في نيبال 820 شخصاً، بينما هناك خمسة مسجلون في منطقة التبت بالصين.
الهند والصين أيضاً تتابعان التطورات، خاصة أن بعض الضحايا من حجاج تلك الدول، فيما تشير تقديرات الشرطة النيبالية إلى أن أكثر من 500 سائح من 28 دولة لا يزالون مفقودين، معظمهم من الأجانب. وأكدت وسائل الإعلام الصينية وفاة ثلاثة أشخاص وفقدان ما لا يقل عن 558 آخرين في الجانب التبتي، بينهم 260 أجنبياً، دون وضوح مدى تداخل الأرقام بين المصادر النيبالية والصينية.
أسباب الكارثة ودور التغير المناخي في تصاعد المخاطر
في الساعات الأولى أعقاب الكارثة، أشارت التقارير الأولية إلى أن زلزالاً ربما تسبب في انهيار جليدي وانزلاق أرضي واسع النطاق، إلا أن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أوضحت لاحقاً، بناءً على تحليلات جديدة، أن الانهيار الأرضي وحده كان السبب المباشر للكارثة، دون وجود هزة أرضية مسببة.
ويُرجّح الخبراء أن تراكم المياه الناتجة عن الأمطار الغزيرة أو ذوبان الجليد قد أدى إلى زعزعة استقرار التربة والجليد في المنطقة الجبلية الحساسة. ورغم أن ذوبان الأنهار الجليدية وتسارع وتيرة التغير المناخي يُعدان من العوامل المقلقة في منطقة هندو كوش-الهيمالايا، إلا أن العلماء يرون أنه من المبكر تحديد دور المناخ بدقة في هذا الحدث بالتحديد.
الأضرار المادية كانت هائلة، إذ جُرفت طرق وجسور تقدر قيمتها بأكثر من 15 مليار روبية نيبالية (نحو 98 مليون دولار أمريكي)، وفق تقديرات أولية لمسؤول حكومي تحدث إلى BBC Nepali.
تداعيات الكارثة واستجابة السلطات المحلية
تحركت السلطات النيبالية بسرعة، حيث دعا الرئيس رام شاندرا باوديل الحكومة والأحزاب السياسية والمنظمات المجتمعية، إلى جانب قوات الأمن والجمهور العام، إلى تكثيف جهود الإنقاذ والإغاثة، مشدداً على أهمية التنسيق والتعاون في المناطق المنخفضة التي تهددها السيول.
يأتي ذلك في ظل مخاوف من موجة ثانية من الفيضانات، ما يزيد من صعوبة عمليات الإنقاذ ويضاعف معاناة الأسر المكلومة. وتبقى المنطقة، التي تستقطب سنوياً عشرات الآلاف من الزوار والحجاج، أحد أكثر المواقع عرضة لمخاطر الكوارث الطبيعية في ظل الظروف البيئية المتغيرة.
تقرير BBC أشار إلى استمرار عمليات البحث والإنقاذ، لكنه لم يورد أي مؤشرات واضحة حول أعداد الناجين أو وتيرة العثور على المفقودين، مع تداول تقديرات متضاربة من مختلف الجهات المعنية.
جبل كايلاش والموقع الجغرافي للكارثة
جبل كايلاش، الذي يقع على الحدود بين نيبال والتبت، يحظى بأهمية روحية كبيرة لدى أتباع الديانتين الهندوسية والبوذية، ويُعد مقصداً سنوياً للآلاف من الحجاج القادمين من مختلف دول العالم. الطبيعة الجبلية الوعرة للمنطقة، إلى جانب هشاشة البنية التحتية وصعوبة الاتصالات، تزيد من تعقيد عمليات البحث عن المفقودين في أعقاب الكوارث المفاجئة مثلما حدث في هذه السيول الأخيرة.








