سد يوليوس.. تصميم نادر أنقذ مدينة تعدين أسترالية من العطش

سد يوليوس.. تصميم نادر أنقذ مدينة تعدين أسترالية من العطش

بعد نصف قرن على تشغيله، ما زال سد يوليوس يمثل خط الدفاع المائي الذي ساعد مدينة ماونت آيزا الأسترالية ومناجم شمال غرب كوينزلاند على تجاوز خطر الجفاف. فالمنشأة الخرسانية النادرة لم تُبنَ كخزان تقليدي فحسب، بل صُممت لتسمح لمياه الفيضانات بالعبور فوقها مباشرة من دون الإضرار بهيكلها.

ويحتفل السد بمرور 50 عاماً على تدشينه الرسمي في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1976، بعدما كشف جفاف قاسٍ ضرب المنطقة عام 1971 أن مصدر المياه الوحيد المتاح آنذاك لم يعد كافياً لمدينة تعدين آخذة في التوسع. ونقل تقرير لهيئة الإذاعة الأسترالية ABC أن المشروع أصبح لاحقاً عنصراً مهماً في نمو المجتمعات وقطاع التعدين في المنطقة النائية.

جفاف كشف هشاشة مصدر المياه الوحيد

كانت بحيرة موندرا، التي أنشأتها شركة ماونت آيزا ماينز على نهر ليخارت عام 1958، أكبر مشروع مياه ممول من القطاع الخاص في أستراليا وقتها. لكنها لم تعد كافية حين تزايدت احتياجات المدينة والصناعة التعدينية، بالتزامن مع موجة الجفاف التي ضربت المنطقة.

اختارت السلطات موقعاً جديداً على بعد نحو 70 كيلومتراً شمال شرقي ماونت آيزا، عند ملتقى نهر ليخارت وخور بارو. واكتمل المشروع بعد خمس سنوات من أزمة الجفاف، ليمنح المدينة مورداً إضافياً يمكن الاعتماد عليه عندما تنخفض مستويات البحيرة الرئيسية.

وصفت صحيفة «نورث ويست ستار» افتتاح المنشأة في 1976 بعبارة «لا مزيد من القلق بشأن المياه»، في انعكاس لحجم المخاوف التي عاشتها المنطقة قبل وصول الإمداد الجديد.

لماذا اختير هذا التصميم الخرساني الغريب؟

بناء سد في منطقة نائية من شمال غرب كوينزلاند لم يكن مهمة بسيطة، خصوصاً مع صعوبة نقل مواد البناء إلى الموقع. شارك مئات العمال في أعمال الإنشاء بين عامي 1973 و1976، وكان بينهم عمال قدموا من اسكتلندا وإنجلترا وإيرلندا، وأقام بعضهم في الموقع مع أسرهم.

اعتمد المهندسون تصميماً متعدد الأقواس والدعامات الخرسانية، وهو الوحيد من نوعه في كوينزلاند بحسب المشغل الحالي «صن ووتر». ويقلل هذا التصميم كمية الخرسانة اللازمة للبناء، مع الحفاظ على قوة الهيكل، وهي ميزة كانت حاسمة في موقع بعيد عن مراكز الإمداد.

وقال المدير العام للعمليات في المنطقة الشمالية لدى «صن ووتر»، ويليام ويفر، إن عزلة المكان وصعوبة إدخال المواد كانتا من الأسباب الأساسية وراء اختيار هذا الشكل الإنشائي.

مياه الفيضان تمر فوق الأقواس نفسها

لا يعتمد السد على مفيض منفصل كما هو شائع في منشآت أخرى. فعندما يرتفع منسوب المياه فوق حد معين، تتدفق المياه الزائدة فوق الأقواس الخرسانية التي يبلغ عرضها 18 متراً، بدلاً من أن تشكل ضغطاً خطراً على جسم المنشأة.

وأوضح أستاذ الهندسة الجيوتقنية في جامعة كوينزلاند، ألكسندر شورمان، أن المياه «تتجاوز السد ببساطة» عندما ترتفع فوقه، من دون أن يضر ذلك بالهيكل المصمم لتحمل هذا التدفق.

وتصل سعة التخزين إلى 107,500 ميغالتر، وهي كمية تعادل نحو خُمس حجم ميناء سيدني. ولا تزال بحيرة موندرا المصدر الأساسي لماونت آيزا، بينما يؤدي الخزان دوراً مكملاً عند الحاجة، مانحاً المدينة هامش أمان في منطقة معروفة بفترات الجفاف الطويلة.

من احتياطي للمدينة إلى شريان للمناجم

اتسع دور المنشأة خلال العقود الماضية. ففي عام 1998، اكتمل خط أنابيب مياه شمال غرب كوينزلاند بطول 113 كيلومتراً، ليمد عمليات تعدين، بينها منجم إرنست هنري للنحاس والذهب قرب مدينة كلونكوري.

وأضيف خط أنابيب آخر بطول 38 كيلومتراً عام 2010 بعد جفاف جديد، ما وفر لكلونكوري إمداداً إضافياً بالمياه على مدار العام. وهكذا تحولت البنية التي أنشئت أساساً لحماية ماونت آيزا من نقص المياه إلى جزء من شبكة أوسع تخدم المجتمعات والصناعة.

وقال ويفر إن السد فاض في كل عام خلال العقد الماضي، رغم جفاف المنطقة في فترات طويلة. وعزا ذلك إلى الأمطار الموسمية والأعاصير التي تعيد تغذية حوض نهر ليخارت بصورة منتظمة.

ما الذي سيحدد عمره في العقود المقبلة؟

تتولى مجموعة من سبعة موظفين، مقرها في كلونكوري، تشغيل المنشأة وخطوط الأنابيب المرتبطة بها وصيانتها. ويؤكد المشغل أن أعمال الصيانة المستمرة تتيح لها البقاء عاملة لعقود مقبلة.

لكن شورمان حذر من أن قدرة السدود على العمل لأكثر من قرن لا تعفيها من المتابعة الهندسية الدائمة. فأنماط الأمطار المتغيرة، والطقس المتطرف، والطلب المستقبلي على المياه، كلها عوامل يجب تقييمها مع تقدم البنية التحتية في العمر.

وبينما يظل الموقع بعيداً عن الأنظار في امتداد ناءٍ من نهر ليخارت، فإن مياهه تواصل دعم مدينة التعدين والبلدات المحيطة بها، في منطقة أثبت فيها الجفاف أن وجود مصدر واحد للمياه قد لا يكون كافياً.

شارك المقال عبر:
رغدة الضبع
رغدة الضبع

اخصائي اجتماعي ومحرر بمنصة وحدك الإخبارية

المقالات: 102