السل المقاوم للأدوية دفعها إلى زواج صوري وطلب لجوء في جورجيا

السل المقاوم للأدوية دفعها إلى زواج صوري وطلب لجوء في جورجيا

حين يتحول العلاج إلى معركة للبقاء

لم تجد ناتيا كيـكـبـاتـزه، المصابة بأخطر أشكال السل المقاوم للأدوية، أملاً كافياً في العلاج داخل جورجيا، فلجأت إلى زواج صوري وطلب لجوء أملاً في الوصول إلى فرصة أفضل للشفاء. وتروي الشابة الجورجية، البالغة 45 عاماً، تجربة قاسية بدأت بتشخيص مرض شديد المقاومة وانتهت إلى البحث عن مخرج خارج حدود بلدها، بحسب تقرير نشرته صحيفة «أساهي شيمبون» اليابانية في 2 سبتمبر/أيلول 2026.

تأتي قصتها من مدينة تبليسي، عاصمة جورجيا، ضمن تحقيق صحفي عن مرض لا يزال يحصد أرواح الملايين حول العالم، رغم أنه يبدو لكثيرين من أمراض الماضي. فقد قدرت منظمة الصحة العالمية أن 10.7 ملايين شخص أُصيبوا بالسل لأول مرة خلال عام 2024، بينما توفي 1.23 مليوناً بسببه. ويمثل المرض أكبر سبب للوفاة عالمياً بين الأمراض التي يسببها عامل ممرض واحد، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

كيف بدأت مأساة ناتيا؟

كانت ناتيا تعمل في مطعم عام 2014 عندما شعرت فجأة بألم شديد في البطن. نقلت إلى المستشفى، لكن الأطباء لم يتمكنوا في البداية من تحديد السبب. وبعد أسبوعين، استمرت معاناتها من حرارة مرتفعة بلغت نحو 38 درجة مئوية، فخضعت لفحوص جديدة كشفت إصابتها بالسل.

انتقلت بعد ذلك إلى مستشفى متخصص في علاج المرض، حيث أُعيد فحصها. لكن التشخيص لم يكن لسل عادي يمكن التعامل معه بالعلاجات المعتادة، بل لسل شديد المقاومة للأدوية، وهو النوع الذي تصبح فيه خيارات العلاج أقل، ومدته أطول، وآثاره الجانبية أشد قسوة.

العنوان الذي اختارته «أساهي شيمبون» لتجربتها يلخص حجم اليأس الذي عاشته: الخروج من جورجيا تحت غطاء رحلة شهر عسل إلى اليونان، ثم تقديم طلب لجوء، مع التعويل على أن يفتح ذلك الطريق أمام علاج يصعب الحصول عليه لمن يعانون من السلالات المقاومة.

لماذا يصعب القضاء على السلالات المقاومة؟

يعتمد علاج السل بصورة رئيسية على دواءين معروفين هما «إيزونيازيد» و«ريفامبيسين». وعندما تكتسب بكتيريا السل، نتيجة طفرات، قدرة على مقاومة الدواءين معاً، تُصنف الحالة ضمن السل المقاوم للأدوية المتعددة، المعروف اختصاراً بـMDR-TB.

في هذه الحالة لا يكفي العلاج المعتاد، بل يحتاج المريض إلى خطة أطول وأكثر تعقيداً. وقد يضطر إلى تناول أكثر من عشرة أقراص يومياً، مع احتمال التعرض لآثار جانبية شديدة. وكلما تقلص عدد الأدوية الفعالة، أصبح التعامل مع العدوى أكثر صعوبة.

هناك أيضاً نوع أشد خطورة يسمى السل فائق المقاومة للأدوية، أو XDR-TB، وهو الشكل الذي شُخصت به ناتيا. ويعني ذلك أن قدرة الأطباء على اختيار أدوية فعالة تكون أضيق، كما تنخفض فرص نجاح العلاج مقارنة بالحالات التي تستجيب للأدوية التقليدية.

المشكلة لا تتعلق بالمريض وحده. فالعلاج غير المناسب أو إيقاف الأدوية قبل الموعد قد يمنح البكتيريا فرصة لاكتساب مقاومة إضافية، ما يزيد تعقيد الحالة ويجعل السيطرة على العدوى أكثر صعوبة. ولهذا يحتاج علاج السلالات المقاومة إلى متابعة طبية دقيقة والتزام طويل، وهي متطلبات قد تتحول إلى عبء هائل على المريض وأسرته.

جورجيا وإرث الحقبة السوفيتية

تسجل جورجيا معدلاً مرتفعاً نسبياً من الإصابات المقاومة. ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2024، بلغ معدل الإصابة المقدَّر بالسل المقاوم للريفامبيسين، بما يشمل حالات المقاومة المتعددة، 5.5 إصابات لكل 100 ألف نسمة. واحتلت البلاد المرتبة 43 بين 182 دولة ومنطقة في هذا المؤشر.

يربط التقرير انتشار المشكلة بالاضطرابات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم الحرب الأهلية التي شهدتها جورجيا. فقد أدى اضطراب النظام الصحي إلى علاجات غير ملائمة وانقطاعات متكررة في تناول الأدوية، الأمر الذي يُعتقد أنه ساعد بكتيريا السل على اكتساب مقاومة وانتشارها.

ولا تبدو جورجيا حالة منفردة؛ فالمشكلة تشترك فيها دول عدة من الجمهوريات السوفيتية السابقة، حيث ترك انهيار الأنظمة الصحية القديمة آثاراً طويلة على مكافحة الأمراض المعدية.

منتجع سياحي فوق ذاكرة العزل

على بعد نحو أربع ساعات بالسيارة غرب تبليسي، وبعد عبور مناطق جبلية والتوغل أكثر في الريف، تظهر بلدة أباسْتوماني. تبدو اليوم كمنتجع كبير قيد التطوير، بطرق حديثة ومرافق إقامة جديدة وموسيقى يسمعها الزائرون وسط إقبال سياحي متزايد.

لكن المكان حمل لسنوات صورة مختلفة تماماً لدى الجورجيين. فقد كان يضم مصحة لعزل مرضى السل المقاوم للأدوية وعلاجهم لفترات طويلة. وكانت المنطقة معروفة بهوائها النقي ومياهها النظيفة، وهي عوامل جعلتها موقعاً مناسباً لإنشاء مرافق الاستشفاء منذ أواخر القرن التاسع عشر، خلال فترة الإمبراطورية الروسية.

ارتبط تاريخ أباسْتوماني أيضاً بعلاج أحد إخوة إمبراطور روسيا، الذي عانى مرضاً شديداً من السل. وخلال الحقبة السوفيتية، توسعت المنشآت العلاجية في البلدة، ثم انتقلت إلى جورجيا بعد استقلالها، لتواصل استقبال المرضى، ولا سيما المصابين بالسلالات التي يصعب علاجها.

هُدمت آخر مصحة مخصصة لمرضى السل في أباسْتوماني عام 2019، وأعيد تطوير المنطقة لتصبح وجهة سياحية. وبينما اختفت المباني التي ارتبطت بالعزل والعلاج، لم يختفِ المرض نفسه، ولا الأسئلة التي تطرحها تجربة ناتيا عن حدود الرعاية الصحية عندما يصبح الدواء عاجزاً عن أداء مهمته.

مرض قديم ما زال حاضراً

توضح أرقام جورجيا والعالم أن السل ليس ذكرى تاريخية أغلقت صفحاتها. وحتى اليابان لم تدخل قائمة الدول منخفضة الانتشار، التي يقل فيها عدد الإصابات الجديدة عن عشر حالات لكل 100 ألف نسمة، إلا في عام 2021.

أما لقاح «بي سي جي»، فدوره الأساسي هو الوقاية من الأشكال الخطيرة للسل لدى الرضع والأطفال الصغار، ولا يستمر تأثيره الوقائي عادة طوال العمر؛ إذ تقدر مدة فعاليته العامة بنحو 10 إلى 15 عاماً. لذلك لا يمثل التطعيم وحده حلاً نهائياً لمواجهة المرض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلالات مقاومة للعلاج.

تضع قصة ناتيا الجانب الإنساني خلف هذه الأرقام في الواجهة: مريضة بدأت رحلتها بألم غامض وحمى مستمرة، ثم وجدت نفسها أمام علاج طويل وآثار جانبية وخيارات محدودة، قبل أن تراهن على الزواج الصوري وطلب اللجوء أملاً في النجاة. وفي أباسْتوماني، يكشف تحول مصحة العزل إلى منتجع سياحي المفارقة نفسها؛ فالمكان تبدل، لكن معركة مقاومة السل لا تزال مستمرة.

شارك المقال عبر:
عبدالله كرم
عبدالله كرم

محرر بمنصة وحدك الإخبارية

المقالات: 63