لم أتخيل يوماً أن بذور الجحيم ستُزرع في بيتي بيدي، وأن ورقة التبني التي بكيت فرحاً وأنا أوقعها مع زوجي، كانت في الحقيقة حكم إعدام على حياتي الزوجية وعقلي.
بدأت القصة قبل ثلاث سنوات، حين فقدت الأمل في الإنجاب بعد محاولات طبية قاسية ومؤلمة. كان زوجي “طارق” الداعم الأكبر لي، واقترح أن نكفل طفلة يتيمة تملأ علينا الفراغ الموحش في منزلنا الكبير. ذهبنا إلى دار أيتام شهيرة في أطراف المدينة، تديرها سيدة صارمة وأنيقة تُدعى “مدام سُهير”. هناك، وقعت عيناي على “ليان”، طفلة في السابعة من عمرها، ذات وجه ملائكي هادئ وعينين تحملان حزناً غامضاً. شعرت بانجذاب فوري نحوها، وقررنا أن تكون هي ابنتنا.
بداية الكابوس المرعب
في السنوات الأولى، كانت حياتنا أشبه بحلم جميل. ليان كانت هادئة ومطيعة، وطارق كان أباً مثالياً. ولكن، بمجرد أن بلغت ليان عامها العاشر، بدأ كل شيء يتغير بطريقة مرعبة. انطوت الفتاة على نفسها بشكل غريب، وأصبحت تقضي ساعات طويلة وحدها في غرفتها المغلقة. بدأت ألاحظ اختفاء بعض الأغراض من المنزل، وذات يوم، أثناء تنظيفي لغرفتها، وجدت تحت سريرها كتباً قديمة مهترئة تتحدث عن السحر الأسود، استحضار الجن، ورموزاً غريبة تشبه الطلاسم الماسونية. عندما واجهتها، بكت وقالت إنها مجرد قصص خيالية استعارتها من زميلة لها، فتجاوزت الأمر بحسن نية.
لكن الكابوس الحقيقي بدأ بعد ذلك بأسابيع. بدأت أشم رائحة بخور غريبة ولاذعة تتسرب من أسفل باب غرفتها في منتصف الليل. ترافق ذلك مع تدهور حالتي النفسية والعقلية بشكل مخيف؛ أصبحت أرى خيالات تتحرك في زوايا المنزل، وأسمع همسات غير مفهومة. الأسوأ من ذلك كله، هو الهلاوس التي كادت تدفعني للجنون. كنت أستيقظ في الليل لأرى طارق زوجي يخونني في فراشنا مع امرأة أخرى لا أتبين ملامحها! كنت أصرخ وأبكي، فيهب طارق مذعوراً ليؤكد لي أنه وحيد بجانبي وأنني أتوهم. تكرر الأمر حتى اقتنعت أنني أفقد عقلي، وبدأ طارق يبتعد عني شيئاً فشيئاً بسبب نوبات غضبي وشكي المستمر.
الصندوق الأسود والحقيقة الصادمة
شعرت أن هناك طاقة سوداء تنهش جدران بيتي، وقررت أن أبحث عن السبب. في إحدى الليالي التي غطت فيها ليان في نوم عميق، تسللت إلى غرفتها وبدأت أفتش في كل زاوية. خلف خزانتها، وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً مقفلاً. جلبني الفضول وكسرت القفل، وما إن فتحته حتى توقف قلبي عن النبض وتجمد الدم في عروقي.
لم تكن مجرد طلاسم أو دُمى غريبة كما توقعت، بل وجدت صورة لزوجي طارق في وضع حميمي مع امرأة أعرفها جيداً! الصورة كانت ملطخة بقطرات من دم أسود، وبجوارها رسالة مكتوبة بخط يد ليان تقول: “لقد حان وقت الخلاص منها”.. لكن الصدمة الكبرى والضربة القاضية كانت حين دققت النظر وعرفت هوية تلك المرأة الموجودة مع زوجي في الصورة!
تراجعت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بالجدار، وأنا أشهق محاولة التقاط أنفاسي. المرأة التي كانت تتكئ على كتف زوجي في الصورة، تبتسم بانتصار مريب، لم تكن سوى “مدام سُهير”.. مديرة دار الأيتام التي تبنينا منها ليان!
اعترافات مزقت الأمان
دارت بي الأرض، وتزاحمت الأسئلة في رأسي كعاصفة مدمرة. ما الذي يجمع زوجي بهذه السيدة؟ ولماذا توجد هذه الصورة الملطخة بالدماء والطلاسم في غرفة ابنتي بالتبني؟ وكيف وصلت إليها؟ أخذت الصندوق والصورة، وخرجت من الغرفة بخطوات ثقيلة كمن يسير إلى حبل المشنقة.
انتظرت طارق في غرفة المعيشة حتى استيقظ للذهاب إلى عمله. عندما رآني أجلس في الظلام، شاحبة الوجه وعيناي متورمتان، اقترب مني بقلق. لم أنطق بحرف، بل ألقيت الصورة والصندوق على الطاولة أمامه. ما إن وقعت عيناه على الصورة حتى تحول وجهه إلى ورقة بيضاء، وتراجع خطوة إلى الوراء وكأنه لُدغ.
“سأشرح لكِ كل شيء..” تلعثم طارق وصوته يرتجف. صرخت فيه بصوت أوقظ جيراننا: “تشرح ماذا؟ أنك تخونني مع المرأة التي أعطتنا ابنتنا؟ أم أنكما تتآمران عليّ لأفقد عقلي؟”.
انهار طارق على المقعد، ووضع وجهه بين يديه وبدأ يسرد لي حقيقة مزقت كل ما تبقى من أمان في قلبي. قبل أن ألتقي بطارق بسنوات، كانت تجمعه علاقة عاطفية سامة ومعقدة بسُهير. كانت تكبره بعدة سنوات، ومهووسة به حد المرض، تراقبه وتخنق حريته. عندما أدرك طارق استحالة الحياة معها، هرب من جحيمها وانفصل عنها بصعوبة بالغة. مضت السنوات، وتعرف عليّ وتزوجنا.
“أقسم لكِ أنني لم أكن أعلم أنها مديرة تلك الدار إلا في اليوم الذي ذهبنا فيه لتبني ليان.” قالها طارق وعيناه تفيضان بالدموع. “عندما دخلنا مكتبها، صُدمت. لكني رأيتها تتعامل بمهنية تامة، وكأنها لم تعرفني يوماً. خفت أن أخبرك بماضيّ معها فتفسدي فكرة التبني التي كانت حلمك الوحيد. اعتقدت أنها تجاوزت الأمر ومضت في حياتها، لم أكن أعلم أنها كانت تخطط لكل هذا!”.
لم تكن سُهير قد نسيت، ولم تتجاوز. بل استغلت نقطة ضعفنا، واختارت لنا “ليان” بعناية فائقة لتكون حصان طروادة الذي سيدمر مملكتي من الداخل.
خطة شيطانية ونهاية الكابوس
توجهت فوراً إلى غرفة ليان، أيقظتها بعنف وواجهتها بما وجدت. أمام انهياري وغضب طارق، انفجرت الطفلة في بكاء هستيري واعترفت بكل شيء. قالت إن “الخالة سُهير” لم تقطع تواصلها معها أبداً. كانت تلتقي بها خفية عند بوابة المدرسة، وتعطيها تلك الكتب والأعشاب الغريبة. أقنعت سُهير الطفلة البريئة أنني “امرأة شريرة” سأقوم بطردها من المنزل قريباً وإعادتها للشارع، وأن الطريقة الوحيدة للحفاظ على والدها الجديد هي التخلص مني.
علمت سُهير الطفلة كيف ترسم الطلاسم، وكيف تحرق نوعاً معيناً من الأعشاب السامة التي كانت تطلق غازات مهلوسة. تلك الرائحة اللاذعة التي كنت أشمها ليلاً لم تكن مجرد بخور، بل كانت مواد كيميائية وسحراً أسود يؤثر مباشرة على جهازي العصبي، مما جعلني أرى كوابيس يقظة وهلاوس بصرية لطارق وهو يخونني في فراشي. كانت خطة سُهير شيطانية ومكتملة الأركان: تجعلني أُصاب بالجنون، أطلب الطلاق، وأترك طارق مدمراً وحيداً، لتعود هي وتلتقطه من جديد، وتظهر بمظهر المنقذة له ولابنته بالتبني.
في تلك اللحظة، رن جرس الباب. كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحاً. نظرنا إلى بعضنا البعض في رعب. ذهب طارق ليفتح الباب، وكانت المفاجأة.. سُهير نفسها تقف على عتبة منزلنا بكامل أناقتها المعتادة وابتسامتها الباردة.
“جئت لأطمئن على صغيرتي ليان، سمعت أنها لم تذهب للمدرسة اليوم.” قالتها وهي تقتحم المنزل بعينيها. لم يتمالك طارق نفسه، انقض عليها وأمسكها من ذراعها بعنف قائلاً: “أيتها المريضة المعقدة! لعبتك القذرة انتهت!”.
تلاشت ابتسامة سُهير، وحلت محلها نظرة جنونية مليئة بالحقد. نظرت إليّ وقالت بصوت فحيح الأفاعي: “لقد سرقته مني! كان لي قبل أن تظهري في حياته. اعتقدتِ أنكِ ستعيشين دور الزوجة السعيدة والأم المثالية بطفلة منحتكِ إياها أنتِ؟ أنتِ لا تستحقينه، ولن أترككم تتهنون يوماً واحداً!”.
لم أرد عليها بكلمة. أخرجت هاتفي واتصلت بالشرطة فوراً، وأبلغتهم بوجود محاولة تسميم، واقتحام، واستغلال قاصر في أعمال سحر وشعوذة. عندما أدركت سُهير أننا كشفنا كل أوراقها وأن الشرطة في طريقها إلينا، حاولت الهرب، لكن طارق منعها حتى وصلت الدوريات الأمنية واقتادتها للتحقيق.
بعد أشهر من المحاكمات والتحقيقات، تم إغلاق دار الأيتام، وسُجنت سُهير بتهم استغلال الأطفال وتعريض حياتهم للخطر، بالإضافة إلى ممارسة أعمال الدجل والشعوذة وإيذاء الآخرين. أما نحن، فقد كانت رحلة التعافي طويلة وشاقة. لم نتخلَّ عن ليان؛ فهي في النهاية ضحية لطفولتها القاسية ولامرأة تجردت من كل معاني الإنسانية. أدخلناها في برنامج علاج نفسي مكثف لمسح آثار غسيل الدماغ والطقوس المرعبة التي زُرعت في عقلها الغض.
توقفنا عن حرق أي شيء في المنزل، وانتقلنا للعيش في مدينة أخرى تاركين خلفنا ذلك البيت الذي كاد أن يكون مقبرة لعائلتنا. اليوم، عندما أنظر إلى ليان وهي تلعب في الحديقة بسلام، أدرك أن الشياطين لا تعيش دائماً في العالم السفلي أو في كتب السحر المظلمة، بل يمشي أسوأ الشياطين بيننا على قدمين، يحملون قلوباً سوداء مليئة بالغيرة والانتقام، مستعدين لتدمير حياة كاملة فقط لإرضاء هوسهم المريض. نجونا بأعجوبة، لكن الندوب التي تركتها تلك الأيام في روحي، ستظل تذكرني دائماً بأن بعض الهدايا، قد تكون فخاً مميتاً.





