واشنطن تفرض رسوماً ضخمة على واردات كندا.. لماذا استُثني النفط من التصعيد التجاري المفاجئ؟

واشنطن تفرض رسوماً ضخمة على واردات كندا.. لماذا استُثني النفط من التصعيد التجاري المفاجئ؟

رسوم أمريكية جديدة على كندا تستثني النفط الخام

شهدت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا تصعيداً حاداً بعد انهيار مفاوضات التجارة بين البلدين خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما دفع واشنطن إلى فرض رسوم جمركية تصل إلى 50% على مجموعة واسعة من السلع الكندية، منها الأثاث ومنتجات الألبان والأجهزة الكهربائية والخشب الرقائقي. إلا أن اللافت في هذه الإجراءات أن النفط الخام الكندي، الذي يُعد أبرز صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، بقي مستثنى من هذه الرسوم الجديدة. ويأتي ذلك رغم أن الطاقة تشكل محوراً رئيسياً في العلاقات الاقتصادية بين الجارتين.

وبحسب تقرير نشرته “Yahoo Finance”، فإن قرار واشنطن إسقاط النفط الخام من قائمة الرسوم يعكس تعقيدات اقتصادية عميقة، إذ تُعد الولايات المتحدة أكبر مشترٍ للنفط الكندي، حيث استحوذت على نحو 90% من إجمالي صادرات النفط الكندية في عام 2025، بقيمة تقدر بـ126 مليار دولار كندي من أصل 140 ملياراً. وفي المقابل، وفرت كندا 63% من واردات واشنطن من النفط العام الماضي، مما يؤكد عمق الترابط بين أسواق الطاقة في البلدين.

لماذا لم تشمل الرسوم الأمريكية صادرات النفط الكندية؟

يعود استثناء النفط من الرسوم إلى ترابط الصناعة النفطية في أمريكا الشمالية، وخاصة بين حقول النفط في مقاطعة ألبرتا الكندية ومصافي التكرير الأمريكية. ففي حين يهيمن النفط الخفيف على إنتاج الولايات المتحدة بفضل الطفرة النفطية في حقول الصخر الزيتي، تعتمد العديد من المصافي الأمريكية، خصوصاً في الغرب الأوسط وساحل الخليج، على معالجة النفط الثقيل القادم من كندا، والذي يتدفق عبر شبكة معقدة من خطوط الأنابيب الحدودية.

وقد استثمرت مصافي التكرير الأمريكية على مدى عقود مليارات الدولارات لتطوير قدراتها في معالجة النفط الثقيل الذي تنتجه ألبرتا، ما يجعل استبدال الإمدادات الكندية أمراً بالغ الصعوبة على المدى القريب. وفي المقابل، تواجه كندا أيضاً صعوبة في إيجاد مشترين بديلين للنفط في حال تعثر التصدير إلى الولايات المتحدة، إذ أن الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب الجديدة، مثل خط “ترانس ماونتن” الذي ينقل النفط إلى سواحل المحيط الهادئ، لا تزال محدودة مقارنةً بالطلب الأمريكي الهائل.

الترابط النفطي بين البلدين: علاقات معقدة ومصالح متبادلة

تاريخياً، شكلت ألبرتا الكندية مركزاً رئيسياً لإنتاج النفط الثقيل، حيث تحتوي على احتياطات ضخمة من البتيومين المختلط بالرمال والطين والماء. وقد توسعت قدرات النقل عبر خطوط الأنابيب العابرة للحدود، مثل خط “Enbridge Line 5” الذي ينقل النفط من غرب كندا عبر ولايتي ويسكونسن وميشيغان إلى أونتاريو وكيبيك، مما زاد من تشابك البنية التحتية للطاقة بين البلدين.

ورغم أن طفرة النفط الصخري جعلت الولايات المتحدة المنتج الأكبر عالمياً للنفط الخام، إلا أن نوعية النفط الأمريكي (الخفيق والحلو) لا تلبي جميع احتياجات المصافي الأمريكية المصممة لمعالجة النفط الثقيل. لذا، تواصل واشنطن استيراد ملايين البراميل يومياً من النفط الكندي حتى مع تصديرها كميات ضخمة من إنتاجها المحلي.

هل يمكن أن يتحول النفط إلى ورقة ضغط في الحرب التجارية؟

يبرز النفط كأداة قوية ولكنها محفوفة بالمخاطر في النزاع التجاري الحالي. فعلى الرغم من استثناء النفط من الرسوم الأخيرة، إلا أن صادرات الطاقة الكندية كانت قد خضعت لرسوم بنسبة 10% منذ مارس 2025، مع بعض الاستثناءات بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA). ويشير مراقبون إلى أن إدراج النفط في النزاع قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة للطرفين.

في حال فرضت واشنطن رسوماً جديدة على النفط الكندي، سيتحمل المصافون الأمريكيون جزءاً من التكاليف، وقد يطالبون المنتجين الكنديين بتخفيض الأسعار، ما يؤدي إلى اتساع الفارق السعري بين النفط الكندي ونظيره الأمريكي ويضغط على أرباح شركات التكرير في الولايات المتحدة، وربما يرفع أسعار الوقود للمستهلكين الأمريكيين.

أما في الجانب الكندي، فستجد أوتاوا نفسها أمام تحديات كبيرة في تنويع أسواق النفط، إذ أن قدرة خطوط الأنابيب الجديدة محدودة، ولا يمكنها تعويض السوق الأمريكية العملاقة بسهولة.

البنية التحتية للطاقة كعامل نفوذ سياسي واقتصادي

أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منشور على منصة “تروث سوشيال”، إلى أن كندا تعتمد بشكل كبير على البنية التحتية الأمريكية لنقل جزء من احتياجاتها من الكهرباء والنفط والغاز بين الأقاليم، ما يمنح واشنطن ورقة ضغط قوية في أي تصعيد مستقبلي.

ويُعد خط “Enbridge Line 5” نموذجاً لهذه الروابط، إذ ينقل النفط من غرب كندا عبر الأراضي الأمريكية ليعود إلى المصافي الكندية في أونتاريو وكيبيك، ما يسلط الضوء على هشاشة أي محاولات لقطع العلاقات النفطية بين الطرفين.

تداعيات الرسوم الجديدة على مستقبل تجارة الطاقة بين كندا وأمريكا

يؤكد خبراء الطاقة أن أي تصعيد في النزاع التجاري ليشمل النفط سيؤدي إلى خسائر متبادلة. فقد يؤدي فرض قيود أو رسوم إضافية إلى ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة، بينما سيواجه المنتجون الكنديون صعوبات في تسويق نفطهم، ما قد يدفع الأسعار للانخفاض ويؤثر سلباً على الاقتصاد الكندي.

ورغم أن كندا عززت قدرتها على تصدير النفط إلى آسيا عبر خط “ترانس ماونتن”، إلا أن الكميات تظل محدودة مقارنةً بحجم الصادرات إلى الولايات المتحدة. ويظل خيار تحويل النفط إلى أداة ضغط في النزاع التجاري محفوفاً بالمخاطر للطرفين، ما يفسر استبعاد النفط من قائمة الرسوم الأمريكية الأخيرة حتى الآن.

السياق التاريخي: كيف وصلت العلاقات التجارية بين كندا وأمريكا إلى هذه المرحلة؟

شكّل التعاون التجاري بين كندا والولايات المتحدة نموذجاً للاندماج الاقتصادي في أمريكا الشمالية لعقود، خاصة بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة في التسعينيات، وتوقيع الاتفاقية الثلاثية (USMCA) مؤخراً، إلا أن التوترات عادت إلى الواجهة مع سياسات الحماية التجارية التي انتهجتها واشنطن في السنوات الأخيرة، والتي شملت فرض رسوم متزايدة على الواردات الكندية في عدة قطاعات.

ومع كل جولة تصعيد، يتجدد النقاش حول مدى قدرة الطرفين على الاستغناء عن بعضهما البعض، خاصة في قطاع الطاقة الذي يُعد شرياناً رئيسياً لاقتصاد البلدين.

شارك المقال عبر:
دينا بخيت
دينا بخيت

محرر بمنصة وحدك الإخبارية

المقالات: 60