ضغوط جيوسياسية واقتصادية تهبط بأسعار الذهب وتغير التوقعات الفنية
سجلت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال تعاملات الأربعاء، مع تصاعد حالة الترقب في الأسواق العالمية إزاء التوترات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب صدور بيانات التضخم الأمريكية التي جاءت متوافقة مع توقعات الاقتصاديين. وبحسب تقرير نشره موقع Investing.com، فإن الذهب يقترب من كسر مستوى دعم رئيسي عند 4649 دولاراً للأونصة، وهو ما قد يؤدي إلى تغير جوهري في النظرة الفنية للمعدن الأصفر، وسط تحولات نوعية في ديناميكيات الحرب بين واشنطن وطهران.
تزامنت هذه التطورات مع بقاء العائد على سندات الخزانة الأمريكية ضمن نطاقات ضيقة، مدفوعاً بتأثير بيانات التضخم وتراجع أسعار النفط بشكل لافت، في وقت تواصل فيه الإدارة الأمريكية جهودها لفرض ضغوط اقتصادية على إيران عبر العقوبات وعمليات إعادة شراء الديون.
مفاوضات حساسة حول مضيق هرمز وارتداداتها على الأسواق
في خضم التوتر الإقليمي، تواصلت المفاوضات بين إيران وسلطنة عمان بشأن تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة عبور نحو خمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي. وأفاد مصدر إيراني رفيع المستوى لوكالة رويترز بأن الاتفاق النهائي مع عمان لم يُبرم بعد، مع استمرار النقاشات حول تفاصيل الترتيبات الجديدة.
في المقابل، أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم حول تقاسم الإدارة والإيرادات في المضيق، مشيراً إلى أن المفاوضات استمرت قرابة شهر وأحرزت تقدماً مقبولاً للطرفين.
بالتوازي، أدى إغلاق معظم حركة الشحن في المضيق إلى ارتفاع أسعار الطاقة على مستوى العالم، بينما تفرض كل من إيران والولايات المتحدة إجراءات حصار منفصلة للسيطرة على الممر الاستراتيجي، ما انعكس على معنويات المستثمرين وأدى إلى تذبذب أسعار السلع الأساسية.
الذهب تحت ضغط البيانات الاقتصادية ومسار الفيدرالي الأمريكي
انخفضت أسعار الذهب مع صدور بيانات التضخم الأمريكية، إذ ارتفع مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي (PCE) بنسبة 0.2% في يوليو، بعد تراجع بنسبة 0.1% في يونيو، ليبلغ المعدل السنوي 3.7%، متجاوزاً توقعات السوق الطفيفة. أما المؤشر الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، فقد جاء مطابقاً لتوقعات المحللين عند 0.2% شهرياً و3.3% سنوياً.
هذه الأرقام دفعت المستثمرين لمراقبة موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن كثب، خاصة مع اقتراب اجتماع سبتمبر المقبل. تشير أداة FedWatch من مجموعة CME إلى أن الأسواق تتوقع بنسبة 60% أن يبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75%، بينما يرى 40% من المتابعين احتمال رفعها بمقدار ربع نقطة مئوية.
ويترقب المستثمرون كلمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفين وورش في مؤتمر جاكسون هول، والتي قد تكشف عن توجهات الفيدرالي في مواجهة التضخم المتصاعد والضغوط الاقتصادية الناجمة عن التوترات الدولية.
حرب اقتصادية أمريكية على طهران وتداعياتها الإنسانية
تواصل الولايات المتحدة فرض ضغوط اقتصادية متزايدة على إيران، إذ هددت واشنطن بمعاقبة الدول التي تستمر في التعامل التجاري مع طهران، دون أن تفرض عقوبات فورية على المؤسسات المالية الصينية المشتبه بدعمها لصادرات النفط الإيراني. وتصف إيران هذه الإجراءات بأنها “إرهاب اقتصادي”، مشددة على أن الحملة الأمريكية تهدف إلى عزل اقتصادها بشكل غير قانوني، معربة عن ثقتها في أن العديد من الدول لن تنضم إلى هذا الضغط.
وفي رسالة رسمية وجهها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الأمم المتحدة، طالبت طهران المنظمة الدولية بتقييم الآثار الإنسانية للعقوبات الأمريكية، متهمة واشنطن بإلحاق الضرر بالمواطنين العاديين وانتهاك القانون الدولي.
تدفق الأحداث السياسية ومخاوف الأسواق المالية
مع دخول النزاع الأمريكي الإيراني يومه الـ181، تستمر محاولات الوساطة الإقليمية والدولية للحد من التصعيد. أعلنت وزارة الخارجية القطرية عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني إلى طهران، حيث من المتوقع أن يجري مباحثات هامة مع المسؤولين الإيرانيين.
في الأثناء، سجلت أسعار النفط تراجعاً لليوم الثالث على التوالي بنسبة تجاوزت 1.5%، نتيجة بوادر تقدم في جهود التهدئة بالشرق الأوسط. وأدى هذا الانخفاض إلى دعم محدود لأسعار الذهب، الذي فقد زخمه بعد سلسلة مكاسب استمرت ثلاثة أسابيع.
من جانب آخر، تكشف استطلاعات الرأي عن تراجع التأييد الشعبي الأمريكي للحرب إلى أدنى مستوياته منذ بدايتها، بالتزامن مع انخفاض شعبية الرئيس السابق دونالد ترامب قبيل انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر، وهو ما ألقى بظلاله على ثقة الأسواق في سرعة تعافي الاقتصاد العالمي من آثار النزاع.
المشهد الفني للذهب: نقاط الدعم والمقاومة وأثرها على المتداولين
من الناحية الفنية، افتتحت عقود الذهب الآجلة تداولات اليوم عند مستوى 4677.85 دولار للأونصة، وبلغت أعلى نقطة لها عند 4697.45 دولار، قبل أن تتراجع إلى أدنى مستوى مسجل عند 4653.64 دولار. وحالياً، تتداول الأسعار حول 4660.31 دولار، مع محاولات للدفاع عن الدعم الحرج عند 4649.89 دولار.
في حال حدوث كسر واضح لهذا المستوى، يتوقع المحللون أن يواجه الذهب دعماً تالياً عند المتوسط المتحرك لـ9 أيام (4,605 دولار) ثم المتوسط المتحرك لـ20 يوماً (4,480 دولار)، في ظل تصاعد حالة الشك لدى المستثمرين بشأن اتجاه السياسة النقدية الأمريكية والاضطرابات الجيوسياسية الحادة بين واشنطن وطهران.
ويشير مراقبون إلى أن الذهب، الذي اختبر أعلى مستوى له عند 4756.47 دولار يوم الثلاثاء، يمر بفترة ضغط بيعي ممتدة، مع تشكل نمط فني هبوطي يُعرف بـ”مربعات هبوطية متقدمة”، ما يضيف مزيداً من الحذر لدى المتداولين في المرحلة المقبلة.
هل يشهد السوق انفراجة أم مزيداً من التقلبات؟
ترتبط تحركات الذهب في المرحلة الراهنة بعدة عوامل متداخلة، تشمل نتائج المفاوضات حول مضيق هرمز، وتوجهات السياسة النقدية الأمريكية، وتطورات الحرب الاقتصادية بين واشنطن وطهران. ورغم بعض بوادر التهدئة الدبلوماسية في الشرق الأوسط، تبقى الأسواق في حالة ترقب حذر، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل أسعار الذهب والنفط في ظل البيئة الجيوسياسية المتوترة.
وبينما يترقب المستثمرون خطاب وورش في جاكسون هول، تزداد أهمية القرارات المقبلة للفيدرالي الأمريكي في رسم مسار أسعار الذهب، خاصة إذا ما تم كسر الدعم الفني الحساس عند 4649 دولاراً، ما قد يدفع الأسعار نحو مزيد من التراجع على المدى القصير.








