تحولت مباراة زوجي في بطولة دولية بموسكو إلى مشهد صادم حين غادرت أم مدرجات الملعب، ودخلت أرضية اللعب لتشرح لابنتها المراهقة كيفية تنفيذ الضربة الأمامية قرب الشبكة. الواقعة التي شهدها أحد مسؤولي تنس روسيا سابقاً أصبحت مثالاً على الضغوط التي عانى منها لاعبون صغار داخل منظومة أنتجت مواهب كثيرة، لكنها دفعت بعضهم إلى الإرهاق والإصابات المبكرة.
كانت اللاعبة تخطئ في تنفيذ كراتها الطائرة خلال المجموعة الثانية من مباراة زوجي في بطولة تابعة للاتحاد الدولي للتنس بقيمة جوائز تبلغ 25 ألف دولار. وبين شوطي اللعب، لم تكتف الأم بالتوجيه من المدرجات، بل نزلت إلى الملعب وسحبت ابنتها لتريها طريقة أداء الضربة بنفسها.
طلب حكم المباراة تدخلاً فورياً، ووصل مسؤولو البطولة بعد لحظات، قبل أن يقود حكم البطولة الأم بعيداً عن الملعب. وبحسب رواية الصحفي الرياضي آلان مور، الذي كان حاضراً، كافحت اللاعبة الشابة لمنع دموعها بعد الواقعة.
كيف أنتج تنس روسيا مواهب تحت ضغط كبير؟
يروي تقرير نشرته شبكة RT أن المشكلة لم تكن نقص المواهب أو المدربين، بل التركيز المكثف على التدريب والمباريات منذ سن مبكرة. ويقول التقرير إن عدداً من اللاعبين الصغار واجهوا إنهاكاً بدنياً ونفسياً، في ظل سباق حاد على النتائج والدعم المالي.
لاعبة منتخب صربيا في كأس الاتحاد السابقة، فيسنا دولونتس، وهي روسية المولد، حذرت من التعامل مع الناشئين باعتبارهم مجرد مشروع نتائج. وقالت إن الاحتراق النفسي والبدني واقع حقيقي، وإن على الأهالي أيضاً الانتباه إلى أثر الضغط على أبنائهم.
وتذكّر مور تجربة عمله مع مارغاريتا بيتوفا، المعروفة سابقاً باسم مارغاريتا غاسباريان، بين عامي 2011 و2012. ونقل عن والدها انتقاده إشراكها في المنافسات عندما كانت بالكاد قادرة على الوقوف بسبب الإصابة، ثم تحميلها مسؤولية الخسارة.
التمويل والإصابات.. سباق لا ينتظر المتأخرين
كان التمويل أحد دوافع الاستمرار في اللعب رغم الإصابة، وفقاً لما نقله التقرير عن والد بيتوفا. فالمنافسة على المساندة المالية كانت تدفع بعض اللاعبين إلى خوض البطولات وإثبات أحقيتهم بالدعم حتى في ظروف بدنية صعبة.
كسينيا بيرفاك، المصنفة 37 عالمياً سابقاً، وصفت حجم التنافس بين اللاعبات الروسيات بأنه هائل. وقالت إن من لا تبلغ مستوى متقدماً مبكراً، يقترب من المراكز الخمسين الأولى عالمياً، قد لا تحصل على التمويل اللازم.
بيرفاك نفسها فازت بلقب الناشئات في أستراليا المفتوحة عام 2009، لكنها أنهت مسيرتها نهائياً في 2017 وهي في السادسة والعشرين، بعد صراع مع الإصابات. ويعرض التقرير تجربتها باعتبارها جزءاً من جيل امتلك قدرات كبيرة، لكنه لم ينجح كله في التحول إلى نجوم دائمين في جولات المحترفات.
مواهب روسية تتألق تحت أعلام أخرى
رغم الانتقادات التي واجهت المنظومة في السابق، تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى استمرار الحضور الروسي في تصنيف أفضل 100 لاعبة عالمياً. فمنذ 2011، ضمت القائمة السنوية ست لاعبات روسيات على الأقل، قبل أن يرتفع العدد إلى 13 لاعبة خلال الأعوام 2023 إلى 2025.
ويبلغ عدد الروسيات الموجودات حالياً ضمن أول 100 مركز عشر لاعبات، لكن التقرير يلفت إلى أن هذا الرقم لا يشمل اللاعبات المولودات في روسيا واللاتي يمثلن دولاً أخرى.
ومن بينهن إيلينا ريباكينا، المولودة في موسكو والتي تمثل كازاخستان، وأنستاسيا بوتابوفا التي تحولت لتمثيل النمسا. ويشير التقرير أيضاً إلى أن دولاً مثل أستراليا وأوزبكستان وفرنسا استقطبت لاعبات تخرجن من النظام الروسي.
ما الذي تغير للاعبين الصغار وأسرهم؟
ترى بيرفاك أن الواقع اختلف كثيراً عما كان عليه خلال فترة نشأتها. وقالت إن الاتحاد الروسي للتنس طبق ممارسات أفضل تخص المدربين واللاعبين والأهالي، وهي نقطة اعتبرتها ضرورية لتقليل الأخطاء التي أضرت بأجيال سابقة.
إيكاترينا بيتشكوفا، إحدى لاعبات ذلك الجيل والمصنفة السابقة، قالت أمام طلاب في الجامعة الروسية الحكومية الاجتماعية عام 2020 إن النظام أصبح مختلفاً تماماً. وأوضحت أن الناشئين يتلقون الآن إرشادات حول التغذية واللياقة والنوم، إلى جانب التدريب الفني.
بيتشكوفا، التي أصبحت أماً، سجلت ابنها مارك في دروس للتنس. وقالت إن المنظومة ليست مثالية، لكنها لا تمانع في أن ينشأ طفلها داخلها، في دلالة على تغير نظرة لاعبات سابقات إلى بيئة عشن فيها ضغوطاً كبيرة.
ويقول التقرير إن الاتحاد الروسي للتنس وضع إرشادات للأهالي، وعزز تأهيل المدربين، وقدم معلومات أوسع للاعبين وعائلاتهم، إضافة إلى فرض قيود على كثافة المشاركة في البطولات لتجنب الإفراط في اللعب.








