تمتد تلال النمل الأبيض في البرازيل على مساحة هائلة في شمال شرقي البلاد، لكنها ليست أعشاشاً كما قد توحي أشكالها المخروطية المنتظمة. تحت هذه التكوينات الترابية، التي يبلغ عددها نحو 200 مليون، توجد شبكة أنفاق مترابطة حفرتها الحشرات على مدى آلاف السنين بحثاً عن الغذاء.
وتغطي هذه الظاهرة الطبيعية نحو 230 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة تقارب مساحة بريطانيا العظمى. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «تايمز أوف إنديا» استناداً إلى دراسة علمية، فإن بعض هذه الأكوام ظل قائماً منذ ما يقارب أربعة آلاف عام.
ليست أعشاشاً.. بل مخلفات حفر تحت الأرض
المنظر من الأعلى يوحي بحقل واسع من الأعشاش الترابية المنتشرة بتناسق غير عادي، لكن الباحثين توصلوا إلى أن الأكوام ليست مساكن للنمل الأبيض. إنها كتل من التربة أخرجتها حشرات من نوع Syntermes dirus خلال حفرها شبكة واسعة من الممرات الجوفية.
ومع كل عملية توسع تحت الأرض، نقلت الحشرات التراب إلى السطح وراكمته في أكوام منفصلة. واستمر هذا السلوك عبر أجيال متعاقبة، حتى صنع واحداً من أضخم الأنماط البيئية التي شكّلها نوع واحد من الحشرات.
قدّر الباحثون أن كل كومة تحتوي في المتوسط على نحو 50 متراً مكعباً من التراب. وبجمع حجم التربة في نحو 200 مليون كومة، يتجاوز الناتج 10 كيلومترات مكعبة، وهو حجم قارنته الدراسة بما يعادل قرابة أربعة آلاف هرم كبير في الجيزة.
كيف أثبت العلماء عمر هذه التكوينات؟
أخذ فريق الدراسة عينات تربة من مركز 11 كومة، واستخدم تقنية التأريخ بالتلألؤ المحفز بصرياً لتحديد وقت ترسيب المواد. وأظهرت النتائج أن الأعمار تراوحت بين نحو 690 و3820 عاماً.
وتكشف هذه التواريخ أن المشهد لم ينشأ بسبب حدث قصير أو استثنائي، بل نتيجة عمل متواصل تحت الأرض استمر لقرون طويلة. كما أن أعمار بعض الأكوام تقترب من أعمار أقدم تجمعات النمل الأبيض المعروفة في أفريقيا.
ماذا وجد الباحثون داخل الأكوام؟
فحص الباحثون مئات الأكوام التي كشفتها أعمال إنشاء الطرق، ثم أجروا حفريات إضافية. وكانت المفاجأة أن داخلها لا يحتوي على الغرف والممرات المنظمة التي ترتبط عادة بأعشاش النمل الأبيض.
بدلاً من ذلك، بدت الكومة كتجمع غير منتظم من التربة دون بنية داخلية معقدة. أما الأكوام الحديثة التشكّل، فارتبطت بنفق مركزي كبير أسفل الأرض يقود إلى شبكة واسعة من الممرات والمعارض الأفقية الضيقة.
وعثر الباحثون داخل بعض تلك الممرات على أجزاء من أوراق يابسة جُمعت كغذاء، وعلى حضنة للنمل الأبيض. ولم تعثر عمليات البحث الواسعة على غرفة ملكية داخل الأكوام أو تحتها، ما عزز فكرة أن التكوينات ليست مساكن رئيسية للمستعمرات.
كانت الأنفاق مغلقة كذلك، وليست فتحات تهوية دائمة إلى السطح. ويبدو أن الحشرات تستخدم فتحات مؤقتة بين الأكوام خلال نشاطها الليلي، ثم تغلقها بعد انتهاء جمع الطعام.
شبكة نجاة في غابات جافة
تقع هذه الظاهرة في مناطق غابات الكاتينغا بشمال شرقي البرازيل، وهي بيئة تتسم بمواسم جفاف واضحة وسقوط متقطع للأوراق. لذلك احتاج النمل الأبيض إلى وسيلة آمنة وفعالة للوصول إلى الغذاء عند توفره.
تخرج مجموعات صغيرة تضم تقريباً بين 10 و50 عاملاً وجندياً ليلاً من فتحات مؤقتة لجمع الأوراق الميتة، قبل أن تعود إلى الشبكة تحت الأرض. ووفرت الأنفاق الدائمة للحشرات مسارات محمية للحركة، مع تقليل الجهد المطلوب للتخلص من التربة الناتجة عن الحفر.
بمرور الوقت، تحولت التربة المستخرجة إلى آلاف ثم ملايين الأكوام المتباعدة، فيما ظلت البنية الحقيقية للنظام مخفية أسفل سطح الأرض.
لماذا تبدو الأكوام متباعدة بدقة؟
أظهرت قياسات المسافات بين الأكوام أن متوسط البعد بين الواحدة والأخرى يبلغ نحو 20 متراً. وقدرت الدراسة كثافتها بنحو 1800 كومة في الكيلومتر المربع، مع توزيع أكثر انتظاماً مما يمكن توقعه في ترتيب عشوائي.
اختبر الباحثون احتمال أن تكون المنافسة بين المستعمرات سبباً في هذا التباعد، لكن التجارب لم تدعمه. فلم تظهر الحشرات العاملة والجنود عدائية عند التقائها قرب الأكوام، بينما أبدت عدوانية فورية عندما وُضعت مع أفراد جرى جمعهم من مسافة 50 كيلومتراً.
ورجحت الدراسة أن يكون التنظيم المكاني نتاجاً ذاتياً لطريقة استغلال النمل الأبيض للأنفاق المشتركة، بما يسمح له بالوصول إلى الطعام والتخلص من نواتج الحفر بكفاءة عبر هذا الامتداد الهائل تحت أرض البرازيل.








