اجتمع مشرعون وشخصيات من أقصى اليسار وأقصى اليمين الأمريكي في واشنطن للتحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي، في مشهد نادر جمع سياسيين لا يتفقون عادة على شيء تقريباً. وبينما طالبوا بقيود تحمي الوظائف والحريات والسلامة العامة، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض التحذيرات ودعم تسارع شركات التكنولوجيا.
وبحسب تقرير نشرته شبكة CNBC، شارك السيناتور المستقل بيرني ساندرز والنائب الديمقراطي غريغ كاسار، إلى جانب النائب الجمهوري المحافظ تشيب روي والاستراتيجي السابق في البيت الأبيض ستيف بانون، في فعالية حملت اسم «الجمعية المؤيدة للإنسان» داخل قاعة بفندق ماريوت في واشنطن، الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول.
قال كاسار إن الوظائف والحرية والسلامة باتت جميعها معرضة للخطر بفعل التقنية الجديدة، معتبراً أن قضايا قليلة تمس جوانب الحياة اليومية بقدر ما يفعل الذكاء الاصطناعي.
تحالف غير متوقع حول مخاطر الذكاء الاصطناعي
نظم الفعالية معهد مستقبل الحياة، وهو منظمة غير ربحية تنشط في التحذير من المخاطر الواسعة للتكنولوجيا. وكانت الدعوة إليها قد سبقت منشوراً أثار جدلاً واسعاً الأسبوع الماضي لموظف سابق في شركة أنثروبيك يدعى جاكوب كوكسون.
وأعلن كوكسون استقالته، وكتب على منصة إكس أن التوسع غير المنضبط في تطوير الذكاء الاصطناعي ينطوي على أخطار جسيمة، متهماً مطورين كباراً، بينهم أوبن إيه آي وأنثروبيك، بـ«المقامرة بحياتنا».
اكتسب اللقاء أهمية أكبر بعد تلك التصريحات، في وقت يحاول فيه صانعو القرار في واشنطن استيعاب سرعة تطور التقنية وسط غياب إطار تنظيمي واسع يحكمها.
شركات التقنية تبدي حذراً متأخراً
بعد منشور كوكسون، قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، إن شركته ستؤجل خطط الطرح العام الأولي خلال العام الجاري، مستشهداً بتزايد المخاوف المرتبطة بسلامة الذكاء الاصطناعي.
ونشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، مقالاً خلال عطلة نهاية الأسبوع دعا فيه شركات القطاع إلى إبطاء وتيرة التطوير. وحصل مقترحه على تأييد عبر الإنترنت من ألتمان ومؤسس شركة إكس إيه آي، إيلون ماسك.
لكن هذه التحذيرات لم تدفع إدارة ترامب أو القيادة الجمهورية في الكونغرس إلى تبني تحرك تشريعي سريع، رغم وجود أصوات داخل الجناح الشعبوي المؤيد لترامب تطالب بالتدخل.
ترامب يرفض التحذيرات والكونغرس منقسم
وصف ترامب المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي بأنها «خدعة»، وأكد في منشور على منصة تروث سوشيال، الاثنين، أن الضوابط الوحيدة التي تحتاجها التقنية هي رئيس «قوي وذكي».
أما ستيف بانون، فدعا الديمقراطيين والجمهوريين إلى تجاوز الانقسام الحزبي وفرض رقابة على الشركات. وقال إن الولايات المتحدة تقف عند «منعطف في التاريخ»، محذراً من الاعتماد على ما تقوله الشركات العملاقة وقادتها.
واتخذ رئيس مجلس النواب مايك جونسون موقفاً مختلفاً، إذ قال إن مسؤولية التنظيم تقع على عاتق شركات التكنولوجيا نفسها، لا على الكونغرس. كما قال السيناتور الجمهوري تيد كروز إن تعطيل التطوير الأمريكي قد يمنح الصين أفضلية، مضيفاً أنه يفضّل، إذا أصبحت التقنية قاتلة، أن تكون «روبوتات قاتلة أمريكية لا صينية».
ولم يكن الذكاء الاصطناعي حاضراً حتى في اجتماع عقده نائب الرئيس جي دي فانس، صباح الثلاثاء، مع جمهوريين قرب مبنى الكابيتول، وفقاً لجمهوريين كانوا داخل القاعة.
من يقرر قواعد التقنية الجديدة؟
خالف النائب تشيب روي الرئيس في طرحه لفكرة أن القرار يجب أن يبقى بيد البيت الأبيض. وقال إنه لا يريد أن يحتكر رؤساء شركات التكنولوجيا القرارات، ولا أن يحتكرها الكونغرس أو الرئيس، داعياً اللجان التشريعية إلى العمل مع جهات خارجية لصياغة طريقة للاستفادة من التكنولوجيا.
ويقود روي جانب السياسات في تجمع الحرية بمجلس النواب، وهو تيار محافظ متشدد اختلف مع ترامب في ملفات بينها الإنفاق الفيدرالي.
في المقابل، أعلن كاسار، رئيس التجمع التقدمي في الكونغرس، وساندرز في وقت سابق من سبتمبر/أيلول، تشريعاً يقضي بحظر الذكاء الاصطناعي فائق الذكاء ووقف مؤقت لتطوير الأنظمة المتقدمة.
كما شاركت النائبة الديمقراطية لوري تراهن في الفعالية، وهي من أبرز الأصوات الداعية إلى تنظيم القطاع داخل الكابيتول. وكانت قد قادت في يونيو/حزيران مشروع قانون من الحزبين لإنشاء إطار فيدرالي يحكم تعامل الولايات المتحدة مع التكنولوجيا.
الصين تعرقل التوافق على تشريع سريع
يبدو أن الدعوات إلى تحرك عاجل لن تجد استجابة قبل الانتخابات على الأقل، إذ يستعد مجلس النواب لمغادرة واشنطن الخميس، ولن يعود قبل انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني.
يخشى جمهوريون من أن يمنح أي تباطؤ للشركات الأمريكية منافسين مثل الصين فرصة للتقدم. وقال جونسون للصحفيين إن وقف تطوير الذكاء الاصطناعي سيجعل الولايات المتحدة تخسر تفوقها أمام بكين، بما يترتب عليه من تداعيات على الأمن القومي للأسر الأمريكية.
رفضت تراهن هذا الطرح خلال الفعالية، قائلة إن فقدان السيطرة على التقنية لن يكون خسارة للديمقراطيين أو الجمهوريين، ولا للأمريكيين أو الصينيين وحدهم، بل للبشر جميعاً.
وطالب ساندرز بأن يتفاوض ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ على اتفاق يوقف تطوير الذكاء الاصطناعي خلال قمتهما المقررة الأسبوع المقبل، محذراً من أن نظاماً فائق الذكاء يخرج عن السيطرة البشرية لن يكون مشكلة أمريكية أو صينية، بل مشكلة تهدد البشرية.








