كيف تبدو شركات الحجم المتوسط في عصر الذكاء الاصطناعي؟
رصد تقرير نشرته فوربس مؤخراً التحولات الكبيرة التي تشهدها الشركات المتوسطة في جميع أنحاء العالم نتيجة انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل. بحسب التقرير، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في أقسام التمويل والموارد البشرية ولوحات التحكم التشغيلية في مؤسسات يتراوح عدد موظفيها بين 500 و3,499 فرداً. لكن، ورغم هذه المظاهر التقنية المتقدمة، ما زالت النتائج الفعلية أقل من التوقعات، حيث تتكرر مشكلات تحتاج إلى تدخل يدوي وتصحيح متكرر للبيانات، مما يحد من القيمة المضافة للذكاء الاصطناعي في هذه المؤسسات.
الفجوة بين وعود الذكاء الاصطناعي ونتائجه الفعلية
أظهرت دراسة حديثة أجرتها The Harris Poll لصالح Workday وشملت 6,100 متخصص في الموارد البشرية والمالية وتكنولوجيا المعلومات والعمليات، أن أكثر من ثلثي الشركات المتوسطة تواجه بشكل متكرر الحاجة لإعادة العمل بسبب مشكلات في الأنظمة والبيانات، وهي نسبة تفوق نظيراتها من المؤسسات الكبرى بتسع نقاط مئوية. هذا الواقع يعكس مفارقة حقيقية: تبني أدوات الذكاء الاصطناعي يتسع، لكن العوائد المرجوة في الإنتاجية وتحسين نتائج الأعمال لا تتحقق بالشكل المنشود.
ما الذي يعطل قيمة الذكاء الاصطناعي في الشركات المتوسطة؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن العائق الأساسي أمام تحقيق قيمة الذكاء الاصطناعي هو عائق هيكلي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مظاهر رئيسية:
الأنظمة الهجينة تخلق صداماً بين البيانات
غالبية المؤسسات المتوسطة لم تُصمم أنظمتها الداخلية لتتكامل مع الذكاء الاصطناعي منذ البداية، بل أُضيفت إليه لاحقاً على أنظمة موارد بشرية ومالية متراكمة عبر سنوات من النمو والاستحواذات وقرارات شراء البرمجيات. حوالي 75% من هذه الشركات تشغّل الذكاء الاصطناعي خارج أنظمتها الأساسية، حيث يتم دمج بعض المزايا داخل النظام بينما تبقى أخرى منفصلة تماماً. هذا التفكك يؤدي إلى اختلاف في تعريف وتخزين وتحديث المعلومات، ما يجعل الذكاء الاصطناعي يرث هذه التباينات ويعيد إنتاجها في نتائجه، وهو ما يفسر لماذا يرى 44% من الموظفين في الشركات المتوسطة أن الذكاء الاصطناعي زاد من عبء التدقيق والتصحيح والإشراف على أعمالهم اليومية.
تجربة شركة Elders الزراعية – والتي تضم 3,000 موظف – توضح هذه الإشكالية، إذ أدى النمو السريع وعمليات الاستحواذ إلى أنظمة متباينة وتجربة موظف غير متماسكة حتى تم توحيد الأنظمة عبر منصة Workday.
الثقة في الذكاء الاصطناعي.. مشروطة بنقاء البيانات
رغم أن 82% من موظفي الشركات المتوسطة يرون أن الذكاء الاصطناعي حسّن من تجربتهم اليومية، إلا أن الثقة في مخرجاته تبقى مشروطة بجودة البيانات الأساسية. حوالى 89% يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يزيد من ثقتهم فقط عندما يثقون في صحة البيانات، وهي نسبة تفوق الموظفين في المؤسسات الكبرى بخمس نقاط مئوية. وتزداد هذه الحساسية لدى القيادات العليا ومتخذي القرار في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تصل النسبة إلى 91%.
أحد الأمثلة البارزة هي شركة Airtable التقنية، التي اضطرت قبل اعتماد Workday إلى التعامل مع عدة حلول منفصلة، الأمر الذي استلزم مراجعات يدوية متواصلة وضاعف من صعوبة الحفاظ على دقة البيانات المالية والبشرية.
غياب اليقين يؤخر اتخاذ القرار
عندما يفقد الموظفون الثقة في دقة البيانات التي يستند إليها الذكاء الاصطناعي، يصبح التردد والتأجيل رد الفعل المنطقي. 61% من العاملين في الشركات المتوسطة يفضلون تأجيل اتخاذ القرارات لتجنب المخاطر، وهي نسبة تزيد عن مثيلتها في المؤسسات الكبرى بثماني نقاط مئوية. ويتجاوز الأثر حدود البطء، إذ تتأثر جودة وسرعة القرارات بشكل واضح، حيث أشار حوالي 40% من الموظفين إلى هذه المشكلة، إضافة إلى تراجع التنسيق بين الفرق المختلفة.
في الشركات الأكبر ضمن الشريحة المتوسطة (1,500 موظف فأكثر)، تتسع الفجوة مع المؤسسات الكبرى خاصة في مجال التنبؤ المالي (30% للشركات المتوسطة مقابل 26% للمؤسسات الكبرى).
شركة BetterUp، المتخصصة في التدريب المهني ولديها نحو 3,000 موظف، عانت من تشتت البيانات عبر أدوات منفصلة، ما أعاق قدرتها على تكوين رؤية شاملة للقوى العاملة العالمية لديها.
ما الحل الذي تقترحه Workday للشركات المتوسطة؟
واجهت الشركات المتوسطة لسنوات خياراً صعباً: إما الاعتماد على أدوات بسيطة لا تلبي احتياجاتها مع النمو، أو الاستثمار في أنظمة ضخمة ومكلفة صُممت للمؤسسات الكبرى. كثير من هذه المؤسسات لجأت إلى حلول مؤقتة جمعت بين أدوات متعددة وتكاملات معقدة، ما زاد من تعقيد البيئة التقنية وأرهق فرق العمل الصغيرة.
تقدم Workday اليوم حلاً يعتمد على منصة واحدة تجمع الموارد البشرية والرواتب والمالية في مكان واحد، ما يقلل من الحاجة إلى تكاملات متعددة ويبسّط الصيانة التقنية. عند انتقال شركة Airtable إلى هذه المنصة الموحدة، تخلصت من عبء التوفيق اليدوي بين البيانات وخفضت تكاليف الصيانة وأعادت هندسة سير العمل مع أتمتة جديدة.
وتوضح شركة Elders كيف أدى اعتماد منصة موحدة إلى تقليص وقت التعيين بنسبة 50% وتقليل تسرب الإجازات بنسبة 40%. أما BetterUp، فاستطاعت بعد توحيد بياناتها عبر Workday أن توسع عملياتها بسهولة إلى 10 دول وتستهدف حالياً خفض المعاملات اليدوية للموارد البشرية بنسبة 50% عبر إضافة مساعد الذكاء الاصطناعي.
ما الذي يميز الذكاء الاصطناعي المدمج في الأنظمة الأساسية؟
تتسم الحلول التي تدمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في العمليات الأساسية للموارد البشرية والرواتب والمالية بقدرتها على أتمتة المهام الروتينية المرهقة، مع ضمان الحوكمة والامتثال لصلاحيات الوصول داخل المؤسسة. وبدلاً من تطبيق الذكاء الاصطناعي كطبقة منفصلة، تتيح هذه المقاربة بناء ثقة أكبر في النتائج وتقلل من المخاطر التشغيلية.
من جانب آخر، تعتمد Workday GO على عملية إعداد مسبقة قائمة على أفضل الممارسات المستخلصة من آلاف عمليات الإطلاق السابقة، ما يسمح بتحقيق نتائج سريعة وفعالة دون الحاجة إلى مشاريع طويلة الأمد ومعقدة.
هل تصبح الشركات المتوسطة قاطرة إنتاجية الذكاء الاصطناعي؟
يؤكد تقرير فوربس أن الشركات المتوسطة أبدت استعداداً أكبر للاستفادة من الذكاء الاصطناعي مقارنة بنظيراتها الكبرى. إلا أن ما كان ينقصها فعلاً هو بنية تحتية قادرة على تحويل هذا الاستعداد إلى نتائج ملموسة. ومع معالجة هذه الفجوة البنيوية، يتوقع أن تتحول الشركات المتوسطة إلى قاطرة ريادية في مجال إنتاجية الذكاء الاصطناعي، لتنافس المؤسسات الكبرى وتتصدر مشهد التحول الرقمي في القطاعات المختلفة.








