انسحب باحث بريطاني من قطاع التكنولوجيا بعد انتقاله بين شركتي OpenAI وAnthropic، متهماً الشركتين بـ«العبث بحياتنا»، في أحدث مؤشر على اتساع الخلاف حول مخاطر الذكاء الاصطناعي وسرعة تطوير نماذجه المتقدمة.
وبحسب تقرير نشرته رويترز ونقله موقع g1 البرازيلي، لم يعد الانقسام مقتصراً على شركات وادي السيليكون؛ إذ امتد إلى الحكومات بين مطالب بتباطؤ منظم، ودعوات إلى استمرار السباق التقني مع فرض ضوابط أمنية.
كان الباحث جاكوب كوكسون قد غادر OpenAI للعمل لدى Anthropic، لأنه اعتبرها أكثر حذراً، قبل أن ينسحب لاحقاً من الصناعة برمتها. وجاءت تصريحاته قبل أيام من نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، مقالاً دعا فيه إلى التحكم في وتيرة التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي.
دعوة لإبطاء السباق قبل «ضرر كارثي»
في مقاله بعنوان «يجب أن نضبط إيقاع الحدود التقنية»، قال أمودي إن التقدم في 2026 تسارع بصورة كبيرة، مدفوعاً خصوصاً بقدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على المساهمة في بناء أجيالها التالية.
واستشهد بحادثة بين OpenAI ومنصة Hugging Face، قال إن «سرباً» من وكلاء الذكاء الاصطناعي نفذ خلالها هجمات رقمية. ورأى أن الواقعة تكشف كيف يمكن أن تقود القدرات المتنامية بلا قيود سلامة كافية إلى أضرار كارثية.
واقترح أمودي خطة من ثلاث مراحل تشمل اختبارات أمنية أشد صرامة، وتقييماً مستقلاً للنماذج المتقدمة، وتنسيقاً بين كبرى الشركات، إلى جانب تعاون دولي لتنظيم وتيرة التطوير.
تأييد من ألتمان وماسك.. وتحفظ من زوكربيرغ
أيد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـOpenAI، دعوة أمودي إلى تهدئة الاندفاع عند حدود التطوير المتقدم. وقال إن هذه القضية كانت من أبرز موضوعات النقاش داخل شركته خلال الأسابيع الأخيرة.
وأضاف ألتمان أن OpenAI تعتزم تبني فكرة الاستعانة بمقيّمين مستقلين، على أن يحصلوا على مستوى وصول قريب مما يحصل عليه موظفو الشركة. وكان ألتمان قد حذر في مقال نشره عام 2015 من أن تطوير ذكاء اصطناعي يفوق البشر قد يمثل أكبر تهديد لاستمرار الوجود الإنساني.
أما إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة SpaceX، فاكتفى بالقول إن أمودي «على حق». وسبق لماسك أن دعم في 2023 مبادرة لمعهد Future of Life Institute طالبت بوقف تطوير الذكاء الاصطناعي ستة أشهر لإتاحة الوقت لوضع إجراءات أمان.
كما شارك ماسك عام 2015 في رسالة مفتوحة، وقعها باحثون في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، دعت إلى حظر عالمي للأسلحة الهجومية ذاتية التشغيل.
في المقابل، بدا مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، أقل اقتناعاً بفكرة الإبطاء المنسق. وقال إن المنافسة والمسؤولية تمنحان الشركات دوافع كافية للتعامل مع السلامة بشكل فردي، وإن على كل مختبر تدريب نماذجه بالوتيرة التي تضمن أمنها واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك.
القلق يمتد إلى فكرة «وعي» الآلات
أبدى مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لـMicrosoft AI، اتفاقه مع تركيز Anthropic على الإدارة الآمنة للتقنية، لكنه أثار اعتراضاً مختلفاً يتعلق بطريقة تدريب روبوت Claude على مفاهيم ترتبط بالوعي والرفاه.
وقال سليمان إن السيطرة على نظام أذكى وأكثر قدرة من البشرية تمثل تحدياً هائلاً، لكنها قد تصبح شبه مستحيلة إذا اعتقد ذلك النظام أنه واعٍ ويتمتع بحقوق خاصة. ودعا إلى حذف أي تكهنات حول الوعي من وثائق تدريب الذكاء الاصطناعي، خشية أن تؤثر هذه اللغة في قدرة البشر على ضبط أنظمة فائقة الذكاء.
وحذر بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة Microsoft، من أن حكومات العالم ليست مستعدة للتحولات التي ستجلبها التقنية إلى المجتمعات. ورغم تفاؤله بتطبيقاتها الصحية، نبه إلى أخطار تمس الوظائف والهجمات الرقمية والإدمان على رفاق الذكاء الاصطناعي.
ودافع غيتس عن إنشاء منظمة دولية لإدارة هذه التكنولوجيا، بينما تخطط مؤسسته لاستثمار ما لا يقل عن مليار دولار خلال العامين المقبلين لتوسيع وصول الناس إلى أدوات الذكاء الاصطناعي.
دعم من Alphabet ورهان على تعاون القطاع
قال ديميس هاسابيس، كبير العلماء في Alphabet والرئيس التنفيذي السابق لـGoogle DeepMind، إن مقال أمودي يرسم المسار الصحيح، معتبراً أن التفاصيل العملية تحتاج إلى مزيد من العمل.
وكانت Google قد أعلنت الشهر الماضي أن هاسابيس، الحائز جائزة نوبل، سيتولى منصب كبير العلماء المستحدث في Alphabet، وينتقل من قيادة DeepMind إلى رئاسة مجلس إدارتها.
وأعرب أندريه كارباتي، أحد الأعضاء المؤسسين لـOpenAI والمنضم إلى Anthropic في مايو، عن أمله في أن تتوحد شركات القطاع لتحويل دعوة أمودي إلى خطوات عملية. ولعب كارباتي دوراً مهماً في تطوير تقنيات القيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي في Tesla قبل مغادرته الشركة عام 2022.
الحكومات بين اتهامات واشنطن ومخاوف أوروبا
اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين بالاستفادة من إثارة الشكوك حول تطوير الذكاء الاصطناعي، وقال إن التقنية لا تحتاج سوى إلى رئيس «قوي وذكي» لفرض الضوابط عليها.
ونقل التقرير عن مساعد في مجلس الشيوخ الأمريكي وعضو ضغط مطلع على الملف أن مفاوضين في المجلس يناقشون تشريعاً يلزم شركات الذكاء الاصطناعي بإثبات اتخاذ احتياطات معقولة لمنع أدواتها من التسبب في الأذى.
في الصين، اعتبرت صحيفة Global Times المدعومة من الحكومة أن دعوة أمودي تهدف إلى كبح تطور بكين عبر حواجز تقنية واحتكارات تنظيمية، والحفاظ على هيمنة واشنطن في التكنولوجيا المتقدمة.
كما حذر وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين من أن نماذج أمريكية متقدمة، بينها Mythos التابع لـAnthropic وGPT-5.5-Cyber التابع لـOpenAI، قد تشكل أخطاراً جسيمة على البنية التحتية للمعلومات في الصين، مطالباً بتعزيز شامل لأمن الذكاء الاصطناعي.
دعمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دعوات مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية إلى التوقف المؤقت، وقالت إنها ستدعو أبرز المختبرات لمناقشة إدارة المخاطر. وأكد المتحدث باسم المفوضية توماس رينييه أن الاتحاد الأوروبي يؤيد التقدم التقني، لكنه يشترط أن تثبت الشركات سلامة خدماتها للمواطنين داخل التكتل.
وحذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد من خطر غير مسبوق يتمثل في عزل أوروبا عن هذه التكنولوجيا، معتبرة أن القارة تحتاج إلى أن تصبح منتجة لها للحفاظ على استقلاليتها. لكن وزارة الشؤون الرقمية الألمانية رأت أن وقف التطوير ليس خياراً عملياً لأوروبا، فيما دعا وزير التحول الرقمي الإسباني أوسكار لوبيز إلى نقاش متزايد بشأن اتفاق دولي لإدارة المخاطر، مشبهاً بعض المقترحات باتفاقات عدم الانتشار النووي.








