«الصمت الموروث».. كتاب يعيد فتح جراح الحرب الأهلية الإسبانية

«الصمت الموروث».. كتاب يعيد فتح جراح الحرب الأهلية الإسبانية

يتتبع كتاب «الصمت الموروث» حيواتٍ فردية مزقتها الحرب الأهلية الإسبانية، لا عبر سرد عسكري أو توثيق زمني صارم، بل من خلال الخسارات التي بقيت داخل العائلات لعقود: غياب، قمع، منفى، وخوف تحول إلى صمت متوارث بين الأجيال.

ويقدم الصحفي والكاتب الكاتالوني إلوي فيلا في عمله الجديد رواية جماعية عن أشخاص عاديين دفعتهم الحرب وما أعقبها إلى مسارات قاسية. وبحسب مراجعة نشرتها صحيفة «إل باييس» الإسبانية، يضع الكتاب التجربة الإنسانية في المقدمة، مستحضراً أصواتاً وشهادات ورسائل تضيء ما فعلته الحرب بحياة الأفراد والمجتمع.

حكايات تبدأ من الحرب ولا تنتهي بانتهائها

لا يلاحق فيلا معركة واحدة أو شخصية تاريخية مركزية، بل ينتقل بين قصص متعددة تمتد جغرافياً من معسكر اعتقال أُقيم في مصنع «أزوكاريرا إيبيريكا» السابق بمدينة إشبيلية، إلى شواطئ أرغيلير في فرنسا التي استقبلت آلاف الفارين بعد سقوط الجمهورية الإسبانية.

وتتجاور في الصفحات شخصيات من خلفيات متباينة، بينها كاهن عاش متخفياً باسم «بيري دي لا بيبا»، والمصمم إنريك كلوسييس، جد شريكة فيلا من جهة الأم. هذا التنوع لا يراد منه رسم بانوراما تاريخية شاملة، بل إظهار كيف اقتحمت الحرب البيوت والمهن والعلاقات العائلية، وواصلت آثارها بعد توقف القتال.

يعتمد الكتاب فصولاً قصيرة وأصواتاً متداخلة، بينها رسائل ومقتطفات تاريخية، في بناء يسهل على القارئ متابعة القصص الفردية من دون أن تتحول إلى سجل أكاديمي للأحداث.

النساء في قلب الألم المسكوت عنه

يرى العرض النقدي أن إحدى نقاط قوة الكتاب تتمثل في التوقف عند حضور النساء، رغم أن شخصياته الرئيسية تبدو في معظمها من الرجال. فالنساء لم يكنّ مجرد شاهدات على الحرب، بل عشن تبعاتها المباشرة ثم حملن أعباء الفقد والقمع وقسوة سنوات ما بعد الحرب.

وتبرز هذه الزاوية أهمية الأصوات النسائية لفهم الصدمة التي خلّفها النزاع. فبعد مقتل الأقارب أو سجنهم أو نفيهم، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام مسؤولية حماية الأسر في بيئة اتسمت بالخوف والعقاب السياسي والانقسام بين المنتصرين والمهزومين.

من التلفزيون إلى الكتاب والمسرح

ينطلق فيلا من خبرة طويلة في تناول ذاكرة الحرب الأهلية الإسبانية. فقد سبق أن أصدر «رسائل من الجبهة» عام 2012، كما شارك في برامج تلفزيونية تناولت آثار الحرب، بينها «ترينشيراس» الذي عُرض على قناة TV3 عام 2017، ثم «كوانتا غويرا!» الذي امتدت مواسمه بين 2022 و2026، مع إعلان نسخة إسبانية منه عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية RTVE.

ويعرف فيلا في كاتالونيا أيضاً بعمله الإعلامي، ولا سيما بوصفه مسؤولاً عن تسعة مواسم من برنامج المقابلات «أل كوتشي». لكنه حافظ، بالتوازي، على اهتمامه بتقديم قصص الحرب من منظور يومي قريب من الناس، بعيداً عن اختزالها في أسماء القادة والجبهات.

«الصمت الموروث» يتحول إلى عرض منفرد

تشير المراجعة إلى أن بنية الكتاب المتعددة الأصوات قد تفسر صلته بالعرض المسرحي المنفرد «دي بالاس إي سيغروس كوركاتس»، الذي أخرجه فيل فايشيداس، وقدمه فيلا للمرة الأولى في 17 يوليو بمدينة أوستالريك.

ومن المقرر أن يجول العرض في مدن كاتالونيا خلال نوفمبر، قبل أن يقدم موسماً في مسرح تكساس بمدينة برشلونة في يناير. ويأتي انتقال المادة بين الكتاب والمسرح امتداداً لمحاولة واحدة: استعادة حكايات لم تجد مساحة كافية للرواية داخل العائلات أو في الذاكرة العامة.

وينقل التقرير عن فيلا قوله إن الهدف ليس «إثارة الألم لمجرد الألم»، بل «إعادة بناء الصمت، حتى إن اضطررنا إلى المرور بلحظات مؤلمة».

ذاكرة بلد انقسم بين المنتصرين والمهزومين

يتزامن صدور الكتاب مع مرور 90 عاماً على بداية الحرب الأهلية الإسبانية. ويعرض العمل، كما ترى «إل باييس»، كيف لم يقتصر أثر انتصار نظام فرانسيسكو فرانكو على إنهاء واقع الجمهورية، بل امتد عبر القمع إلى تكريس الانقسام الاجتماعي والسياسي وإطالة عمر الخوف.

ويقدم فيلا تلك المرحلة من خلال ما تركته في حياة الناس، لا باعتبارها تاريخاً مغلقاً. فالصمت الذي نشأ حول السجن والنفي والخسارات العائلية ظل جزءاً من ميراث أجيال لاحقة، وهو ما يجعل استعادته في الكتاب محاولة لفهم الألم الذي بقي حاضراً بعد عقود من انتهاء الحرب.

شارك المقال عبر:
منار حمدي
منار حمدي

محرر بمنصة وحدك الإخبارية

المقالات: 88