الذكاء الاصطناعي والصم.. دراسة تكشف حاجزاً خفياً في روبوتات المحادثة

الذكاء الاصطناعي والصم.. دراسة تكشف حاجزاً خفياً في روبوتات المحادثة

وجد أستاذ لغة الإشارة البرازيلية ثاليس دوغلاس نفسه مضطراً إلى طلب مساعدة شخص آخر، بعدما أخفق نظام ذكاء اصطناعي في فهم سؤاله عن مشكلة مرتبطة بعقد. هذه التجربة الفردية تكشف ما خلصت إليه دراسة حديثة حول الذكاء الاصطناعي والصم: أدوات يفترض أن تسهّل الخدمات الرقمية قد تتحول إلى حاجز إضافي أمام مستخدميها.

وبحسب تقرير نشره موقع «جي 1» البرازيلي، أظهرت الدراسة التي أجرتها الجامعة الفيدرالية في لافراس أن روبوتات المحادثة تواجه صعوبة في تفسير البرتغالية المكتوبة لدى أشخاص صم تعد لغة الإشارة البرازيلية «ليبراس» لغتهم الأولى.

لماذا لا تفهم الروبوتات طريقة الكتابة؟

يرتبط العائق بالفارق البنيوي بين لغة الإشارة البرازيلية والبرتغالية. فبالنسبة إلى كثير من الصم الذين تلقوا تعليمهم بلغة الإشارة، تعد البرتغالية لغة ثانية تُستخدم أساساً في صورتها المكتوبة، وقد تنتقل خصائص لغة الإشارة إلى ترتيب الكلمات وصياغة الجمل.

وأوضح المشرف على الدراسة، أستاذ معهد العلوم الدقيقة والتكنولوجية في الجامعة دينيلسون ألفيس بيريرا، أن الكاتب قد يصوغ الجملة البرتغالية وكأنها ترجمة مباشرة من لغة الإشارة. وقد تختفي أدوات التعريف وحروف الجر، فيما يأتي الفعل بصيغة المصدر ويختلف ترتيب الكلمات عن البرتغالية التقليدية.

وضرب مثالاً بجملة برتغالية تعني: «هل أكلت بسكويت بنكهة الموز؟»، إذ يمكن أن تظهر بصيغة قريبة من «غلوسا» على نحو: «بسكويت، موز، أنت أكل؟».

ما هي «غلوسا» التي أربكت النماذج؟

«غلوسا» وسيلة يستخدمها مترجمو ودارسو لغة الإشارة لتسجيل الإشارات وبنيتها في شكل مكتوب، لكنها ليست نظام كتابة رسميّاً للغة الإشارة البرازيلية. وتكمن المشكلة في أن نماذج اللغة تتعرف إلى الكلمات البرتغالية نفسها، لكنها لا تتعامل بالسهولة ذاتها مع ترتيبها المختلف.

وقال مترجم ومفسر لغة الإشارة في الجامعة واندرسون صامويل إن بعض التحولات في الجملة تعكس منطق لغة الإشارة؛ فقد يبدأ الكاتب بظرف الزمن قبل المكان، وهي خصائص لا تجد النماذج المدربة على النصوص البرتغالية الرسمية بيانات كافية لمقارنتها وفهمها.

اختبار بنكي كشف الفجوة الرقمية

بدأ الباحثون بمحاكاة محادثات بين مستخدمين صم وروبوتات محادثة تابعة لأربع شبكات مصرفية، لاختبار قدرتها على قراءة هذا النمط من الكتابة وتقديم إجابات مناسبة.

وأظهرت النتيجة أن الروبوتات لم تكن مهيأة لفهم الرسائل المصاغة بهذه الطريقة، بينما تحسن أداؤها عند تلقي النصوص المكتوبة بالبرتغالية التقليدية. ويرى بيريرا أن النموذج المدرّب على بيانات رسمية باللغة البرتغالية سيفهم هذا النمط جيداً، لكنه سيواجه صعوبة عندما لا يتلقى تدريباً على شكل الكتابة الذي يستخدمه الصم.

ولا يقتصر الأثر المحتمل على الخدمات البنكية. فبحسب صامويل، يمكن أن تمتد المشكلة إلى خدمات رقمية كثيرة تعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يصبح شكل الكتابة نفسه سبباً في منع المستخدم من الوصول إلى إجابة مفهومة أو خدمة مكتملة.

55 ألف محادثة حسّنت النتائج دون إزالة العائق

انتقل فريق البحث بعد ذلك إلى اختبار نماذج لغوية مجانية يمكن تشغيلها محلياً على الحواسيب. وأنشأ الباحثون قاعدة بيانات تضم نحو 55 ألف محادثة بصيغة قريبة من «غلوسا»، ثم استخدموها في عملية «الضبط الدقيق»، أي تدريب إضافي لنموذج سبق تدريبه ليؤدي مهمة محددة بصورة أفضل.

وشمل الاختبار ستة نماذج هي: Qwen2.5-7B وQwen2.5-14B وPhi-4-14B وLlama-3.1-8B وLlama-3.2-3B وZephyr-7B. وقبل التدريب المتخصص، بقيت دقة هذه النماذج في تفسير هذا النوع من النصوص دون 49%.

حقق نموذج Qwen2.5-14B أفضل نتيجة نهائية، بمتوسط دقة بلغ 54.6% بعد تدريب استغرق 7 ساعات و48 دقيقة. أما Phi-4-14B فسجل أكبر قفزة نسبية، إذ ارتفعت دقته من 0.01% إلى 53.6% بعد 11 ساعة و57 دقيقة من التدريب.

أكدت النتائج أن تدريب النماذج على بيانات مشابهة لكتابة مستخدمي لغة الإشارة يحسن فهمها، لكنه لا يجعل أداءها أفضل من أدائها أمام البرتغالية التقليدية. وفي مقارنة لغوية، سجل Qwen2.5-7B غير المدرّب دقة 68.5% مع النصوص الإنجليزية و57% مع البرتغالية، بينما ظل أداؤه أمام نصوص «غلوسا» أدنى حتى بعد التدريب المتخصص.

إجابات أبسط وتعليم ثنائي اللغة

قال ثاليس دوغلاس إن تجربة الصم مع أدوات الذكاء الاصطناعي تختلف بحسب مستوى إتقان كل شخص للبرتغالية المكتوبة. ورغم كونه ثنائي اللغة ويستخدم البرتغالية ولغة الإشارة، فإنه يواجه صعوبة حين تكون إجابات النظام طويلة، مؤكداً أن الردود الأبسط تكون أوضح، خصوصاً لمن تلقوا تعليماً أقل.

وربط واندرسون صامويل جانباً من المشكلة بتعليم البرتغالية المكتوبة للصم، معتبراً أن التعليم ثنائي اللغة، الذي يجعل لغة الإشارة لغة التدريس الأولى والبرتغالية المكتوبة لغة ثانية، يمكن أن يساعد على تقليص هذه الفجوة التي تظهر اليوم داخل الخدمات الرقمية.

شارك المقال عبر:
محمد رجائي
محمد رجائي

صحفي عام ومحرر بمنصة وحدك الإخبارية

المقالات: 77