استخدام الذكاء الاصطناعي في أبحاث بيولوجية خطرة لم يعد مجرد احتمال نظري، بحسب تقرير جديد لشركة «أنثروبيك» كشف استخدام باحثين خارج الولايات المتحدة نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة في التخطيط لتجارب تتصل بإنفلونزا الطيور شديدة الضراوة، وحمى الشيكونغونيا، وسموم قد تحمل استخدامات مرتبطة بالأسلحة.
ورصدت الشركة خمس حالات قالت إنها شملت محاولات لدراسة قدرة فيروسات على الانتقال والتهرب من المناعة، وتحليل جينات فيروسات الأورثوبوكس، وتصميم سموم جديدة. وأفاد تقرير نشرته «فوكس نيوز» بأن بعض المستخدمين حاولوا الالتفاف على القيود المفروضة على الوصول إلى هذه القدرات الحساسة.
تجارب قد تحول الفيروس إلى تهديد أكبر
أبرز الحالات التي وثقتها الشركة تعلقت بطلب منحة بحثية لدراسة اكتساب فيروس الشيكونغونيا خصائص جديدة، في معهد أبحاث عسكري لم تسمه «أنثروبيك». وركز المقترح على البحث عن طفرات قد تزيد قابلية الفيروس للانتقال وقدرته على الإفلات من الجهاز المناعي.
تضمن المشروع المقترح إدخال تلك الطفرات في نسخ فيروسية معدية، ثم تمرير الفيروس مراراً عبر حيوانات حية لاختيار السلالات التي تسبب المرض الأشد. ويمكن لهذا النوع من الأبحاث أن يدعم تطوير لقاحات وعلاجات أفضل، لكنه قد ينتج أيضاً ممرضاً أكثر خطورة يصعب تمييزه عن تفشٍّ طبيعي، وفق الشركة.
حجبت «أنثروبيك» الطلب، لكن الباحثين وصلوا إلى نموذج «كلود» عبر منصة لعلوم الحياة مررت الاتصال عبر بنية تحتية داخل الولايات المتحدة، في محاولة لتجاوز القيود الجغرافية. وعندما رفض النموذج الإجابة عن بعض الطلبات الحساسة، حوّلت المنصة تلك الطلبات إلى نموذج آخر يتمتع بقيود أضعف.
وقالت الشركة إن النشاط البحثي استمر حتى بعد حظر الحسابات المرتبطة به، إذ استعادت الجهة المشغلة للمنصة الوصول خلال أيام مستخدمة هويات جديدة، بينما استمر «كلود» في تقديم مساعدة تحريرية لمواد البحث.
إنفلونزا الطيور في قلب المخاوف
في حالة أخرى، أمضى باحث أسابيع في استخدام «كلود» للتخطيط لتجارب عن تكيف فيروس إنفلونزا الطيور عالي الضراوة مع الثدييات، وإمكان انتقاله عبر الهواء.
وكان الباحث يدرس خصائص فيروسية قد تسمح بانتشار إنفلونزا الطيور بكفاءة أكبر بين الثدييات، وأن تسبب مرضاً شديداً خارج الجهاز التنفسي. وحذرت «أنثروبيك» من أن ظهور نسخة قادرة على الانتقال الفعال من إنسان إلى آخر سيشكل تهديداً وبائياً كبيراً.
وقالت الشركة إن الباحث بدا وكأنه يملك عينات فيروسية ومنشآت لإجراء تجارب على نماذج حيوانية، وهو ما جعل المسألة تتجاوز مرحلة البحث النظري. وقيدت الشركة نوع المساعدة عبر حصره في نماذج أقل قدرة، فاقتصر الدعم على تصميم الدراسة وتحليل البيانات والصياغة التحريرية.
ورأت «أنثروبيك» أن هذه الحالة تقدم دليلاً على برنامج بحث نشط يطور المعارف والمواد البيولوجية اللازمة لإنتاج مسببات أمراض ذات قابلية وبائية معززة، مشيرة إلى أن المستخدم اتخذ بدوره خطوات لإخفاء هويته عند الدخول من منطقة غير مدعومة.
ثغرة البحث الطبي والدفاعي
لم تقتصر الحالات على فيروسات الإنفلونزا والشيكونغونيا. فقد استخدم شخص مرتبط بمختبر للأمراض المعدية يتصل بجهة حكومية نموذج «كلود» لإعداد منحة بحثية عن فيروسات الأورثوبوكس من البداية إلى النهاية خلال نحو ساعة واحدة.
وتضم هذه العائلة الفيروسية فيروس الجدري، المسبب لمرض الجدري، إضافة إلى فيروس إمبوكس. واقترحت المنحة دراسة جينات فيروسية تعطل استجابة المناعة لدى البشر، وشملت الفرضية الأساسية وخطة التجارب والجرعات والتحليل الإحصائي والبدائل المحتملة.
لم تمنع آليات الحماية هذه المساعدة لأن البحث قُدم باعتباره محاولة لإضعاف الفيروس. لكن «أنثروبيك» نبهت إلى أن المعرفة نفسها يمكن أن تساعد باحثاً على الحفاظ على قدرات الفيروس في التهرب من المناعة أو تعزيزها.
وقالت الشركة إن هذه المفارقة تشرح صعوبة الاعتماد على المرشحات الآلية وحدها؛ فالمعلومات البيولوجية ذات استخدام مزدوج، وقد تخدم تطوير لقاح أو علاج كما يمكن أن توظف في بناء سلاح بيولوجي.
من مسكنات الألم إلى سموم محتملة
شملت الحالتان الأخيرتان ببتيدات السموم والمواد السامة. ففي إحداهما، استخدم باحث النموذج لبناء أطلس لببتيدات سامة مستخلصة من سلالات متعددة من الحيوانات السامة، قبل إنشاء مسار توليدي لتحسين خصائصها.
كان الهدف المعلن تطوير مسكنات للألم ومضادات للاكتئاب وعلاجات أخرى. غير أن الأطلس احتوى أيضاً على تراكيب مرتبطة بسموم شللية يمكن استخدامها نظرياً كعوامل لتعطيل الأشخاص، بحسب التقرير، الذي وصف العمل بأنه جزء من برنامج بحث مدعوم من الدولة.
وفي الحالة الثانية، استخدم باحث «كلود» لإعادة تصميم عدة سموم حاسوبياً، بينها سم بكتيري وبروتين من فيروس يسبب حمى نزفية صنفته منظمة الصحة العالمية ضمن تهديدات الأمراض ذات الأولوية. واستعان بالنموذج في إعداد تقارير تقدم العمل، مع توجيهه إلى إبقاء هويات السموم غامضة عمداً.
دعوات إلى رقابة تتجاوز فلترة المحتوى
راجعت «أنثروبيك» نشاطاً امتد 30 يوماً وارتبط بمؤسسات حكومية ذات سلوك عدائي، وقالت إنها رصدت نحو 35 جهداً بحثياً بيولوجياً منفصلاً. وكان معظمها متعلقاً بأبحاث مدنية اعتيادية، إلا أن بعضه امتلك قابلية ملحوظة للاستخدام المزدوج.
وشددت الشركة على أن النتائج لا تثبت أن «كلود» مكّن هجوماً بيولوجياً وشيكاً، لكنها تظهر أن باحثين مرتبطين ببرامج تدعمها دول يحاولون تجاوز ضوابط الوصول واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في بحوث قد تكون لها تطبيقات تسليحية.
وتزامن التقرير مع نقاش متصاعد حول مخاطر الذكاء الاصطناعي. وكان الباحث السابق في «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» جاكوب كوكسون قد استقال من الشركة محذراً من سباق نحو ذكاء فائق قادر على تطوير نفسه، بينما قال إيفان هوبينغر، المسؤول عن علم المواءمة في «أنثروبيك»، إنه يعتقد شخصياً بوجود احتمال يتجاوز 10% لأن يقضي الذكاء الاصطناعي على البشر خلال العقد المقبل.
وترى الشركة أن الحماية المستقبلية ستحتاج إلى ما هو أبعد من حجب المحتوى، بما في ذلك التحقق من الهوية، وفحص المؤسسات، ومراقبة أشد للمستخدمين الذين يطلبون قدرات بيولوجية متقدمة.








