تتناول انتخابات إسرائيل 2026 سلسلة من الادعاءات التي أطلقها مسؤولون وسياسيون إسرائيليون خلال فترة ولاية الكنيست المنتهية، فيما يعمل مشروع «فحص الواقع» في صحيفة هآرتس على مراجعة تلك التصريحات ومقارنتها بالوثائق واستطلاعات الرأي وشهادات المصادر. ويركز التقرير على مزاعم مرتبطة بحرب غزة، والتحقيق في إخفاقات هجوم 7 أكتوبر، وإغلاق الحدود، وتعيين رئيس المحكمة العليا.
وترى الصحيفة أن سياسيين ووزراء وأعضاء كنيست لجأوا إلى تصريحات حاسمة وغير مدعومة بالوقائع، في محاولة للتأثير على تصور الجمهور لما حدث. وشملت هذه التصريحات الحديث عن «نصر كامل» في الحرب، والزعم بالسعي إلى إبرام صفقات لإطلاق سراح الرهائن في وقت كانت فيه هذه الجهود تتعرض، وفق التقرير، للتقويض من خلف الكواليس، إلى جانب مهاجمة الجهاز القضائي وطرح تهديدات أمنية اعتبرتها الصحيفة بلا أساس.
التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر.. ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
يرفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحسب التقرير، إنشاء لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات الحكومة والأجهزة الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، مبرراً ذلك في مراحل مختلفة بأن التحقيق لا يمكن أن يبدأ ما دامت العمليات العسكرية ضد حركة حماس مستمرة. لكن هآرتس تشير إلى أن هذا الموقف لم يمنع كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي من تحمل المسؤولية أو الاستقالة، كما لم يحل دون إجراء الجيش سلسلة من التحقيقات العملياتية التفصيلية.
وفي المقابل، قدم نتنياهو إلى مراقب الدولة تقريراً مفصلاً من 55 صفحة حول الأحداث، تضمن ما وصفه التقرير بأنه اتهام للمؤسسة الأمنية وقادتها الكبار. وترى الصحيفة أن ذلك يعكس مفارقة بين رفض تحقيق رسمي شامل وبين إتاحة الوقت لتقديم رواية تفصيلية عن المسؤوليات والإخفاقات.
زعم نتنياهو، في خطاب أمام الكنيست في نوفمبر 2025، أن «الغالبية الساحقة» من الإسرائيليين لا تريد لجنة تحقيق رسمية، وأن الجمهور لن يقبل نتائجها. إلا أن استطلاعات الرأي المذكورة في التقرير قدمت صورة مختلفة؛ فقد أظهر استطلاع نشرته القناة 12 في نوفمبر 2024 تأييد 79 في المئة من الجمهور لإنشاء اللجنة.
كما وجد استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في أكتوبر 2025 أن 74 في المئة يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق رسمية، مقابل 17 في المئة يعارضون ذلك. وأظهر استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في ديسمبر 2025 تأييد 55 في المئة لإنشاء اللجنة.
لماذا اعترض نتنياهو على صيغة لجنة التحقيق؟
في خطاب آخر أمام الكنيست، في مارس 2025، وصف نتنياهو اللجنة المقترحة بأنها هيئة «كُتبت استنتاجاتها مسبقاً»، وقال إنها ستأتي بالكامل من «طرف واحد من الطيف السياسي». ودعا إلى تشكيل لجنة «موضوعية ومتوازنة ومستقلة»، مؤكداً أن التحقيق في أحداث 7 أكتوبر وما سبقها يجب أن يحظى بثقة الجمهور أو غالبية واسعة منه.
وتوضح هآرتس أن القانون الإسرائيلي يمنح رئيس المحكمة العليا مسؤولية تعيين أعضاء لجنة التحقيق الرسمية. لذلك، ركز نتنياهو في ديسمبر 2025 على رئيس المحكمة العليا إسحاق عميت، متهماً إياه بإمكان تشكيل لجنة ذات دوافع سياسية، بحيث تفتقر نتائجها إلى الشرعية.
وطرح حلفاء نتنياهو مقترحاً يمنح السياسيين نفوذاً في اختيار أعضاء اللجنة، مع توسيع نطاق التحقيق ليشمل أحداثاً تعود إلى اتفاقات أوسلو. كما ظهرت مقترحات أخرى، بينها تشكيل لجنة يتساوى فيها ممثلو الائتلاف والمعارضة، أو إنشاء «لجنة تحقيق رسمية خاصة» يعيّن نتنياهو ووزراؤه أعضاءها، رغم أن اللجنة ستبحث في أداء المسؤولين أنفسهم.
واقترح الرئيس إسحاق هرتسوغ أن يحدد عميت تركيبة اللجنة بالتشاور مع نائبه، القاضي المحافظ نعوم سولبرغ. وبحسب التقرير، أدت كثرة الصيغ البديلة إلى إضعاف النموذج القائم بدلاً من حسم مسألة التحقيق.
هل أمر نتنياهو بإغلاق حدود غزة في بداية الهجوم؟
نفى تقرير هآرتس وجود توجيه صدر عن نتنياهو في المكالمات الأولى صباح 7 أكتوبر لإغلاق الحدود مع غزة لمنع نقل رهائن إلى القطاع. وكان رئيس الوزراء قد قال في يوليو إنه حرص فور بدء هجوم حماس على إغلاق الحدود، ثم كرر الرواية نفسها في مقابلات لاحقة وبودكاست.
لكن مصادر مطلعة على الأحداث ونص المكالمة الأولى عبر الخط الآمن، المعروف باسم «الخط الأحمر»، قالت إن مثل هذا الأمر لم يصدر في تلك المرحلة. وتلقى نتنياهو أول إحاطة عند الساعة 6:29 صباحاً عبر تطبيق واتساب من سكرتيره العسكري آنذاك، اللواء آفي جيل، الذي أبلغه بأن هجوماً مفاجئاً بدأ وأن صفارات الإنذار تدوي في أنحاء إسرائيل، موضحاً أنه لا يزال يجمع المعلومات.
استمرت مكالمة واتساب أقل من دقيقة، ولا يوجد لها نص منشور. وبعد نحو عشر دقائق، جرت مكالمة أخرى عبر الخط الآمن عند الساعة 6:40 صباحاً. ويظهر نصها أن نتنياهو كان يحاول أولاً تقدير نطاق الهجوم، فسأل عن سبب إطلاق النار وما إذا كان القصف يشمل البلاد بأكملها.
أبلغ جيل رئيس الوزراء بأن العملية واسعة النطاق، وربما ترقى إلى حرب في غزة، كما تحدث عن مخاوف من تسلل عناصر من حماس إلى إسرائيل، قبل أن يقول إن البلاد في حالة حرب. ولم يتضمن النص توجيهاً بإغلاق الحدود، كما أفادت المصادر بأن نتنياهو لم يكن قد أدرك بعد حجم الهجوم، وأنه فوجئ به.
متى ظهر احتمال خطف الرهائن في المكالمة؟
أثار نتنياهو خلال المكالمة مسألة غياب الإنذار الاستخباراتي المبكر، وقال إنه لا يرى أي مؤشرات استخباراتية على هجوم محتمل. ورد جيل بأن الأجهزة ستحتاج إلى مراجعة كيفية مفاجأتها بالهجوم في وقت لاحق.
بعد ذلك، انتقل رئيس الوزراء إلى مناقشة خطوات عملياتية، بينها بحث إمكانية استهداف قيادة حماس، وتقدير مدى الهجوم، ودراسة الحاجة إلى تعبئة واسعة لقوات الاحتياط، والاستعداد لاجتماع لهيئة الأركان العامة خلال ساعتين أو ثلاث.
ولم يطرح نتنياهو احتمال أن يكون هدف الهجوم خطف أشخاص إلا في مرحلة لاحقة من المحادثة، عندما سأل: «هل يمكن أن يكون هذا مخصصاً لعمليات خطف؟». وأجاب جيل بأن هذا هو الاحتمال الذي تفكر فيه الأجهزة. وحتى بعد هذا التبادل، لا يظهر في النص أمر بإغلاق الحدود، بينما أصدر نتنياهو توجيهاً يتعلق ببحث إمكانية القضاء على قيادة حماس فوراً.
تعيين إسحاق عميت.. هل اختار نفسه؟
في 27 يناير 2025، بعد يوم من انتخاب القاضي إسحاق عميت رئيساً للمحكمة العليا، قال وزير الاقتصاد نير بركات في مقابلة مع القناة 14 إن القاضي «عيّن نفسه». وكرر عضو الكنيست عن حزب الليكود أفيحاي بورون الادعاء نفسه، قائلاً إن نائب رئيس المحكمة جاء مع زملائه وعيّن نفسه عملياً.
ويعرض التقرير هذه الرواية باعتبارها غير صحيحة. فقد جرى تعيين عميت من خلال لجنة اختيار القضاة، وفق القانون الإسرائيلي، وبموجب نظام الأقدمية المعمول به منذ تأسيس الدولة، والذي ينص على تولي أقدم قضاة المحكمة منصب رئيسها.
ويضع مشروع «فحص الواقع» هذه الادعاءات ضمن نقاش أوسع حول علاقة الحكومة بالمؤسسات القضائية والأمنية، وحول قدرة الجمهور على التمييز بين التصريحات السياسية والوقائع المثبتة. أما التفاصيل المتعلقة ببقية المزاعم التي يتناولها التقرير، فتظل مرتبطة بما تورده الصحيفة من وثائق ومصادر وبيانات لكل حالة على حدة.








