تتحول انتخابات مجلس الشيوخ في ألاسكا إلى معركة تتجاوز الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بعدما وضعت أزمة السلمون وارتفاع أسعار الوقود ومستقبل الوظائف الفدرالية في قلب سباق قد يحدد توازن القوى في واشنطن بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
وخلال أول مناظرة كبرى بين المرشحين في جزيرة كودياك يوم 12 سبتمبر، لم يكن النفط أو الهجرة أو الضرائب محور النقاش، بل مصايد الأسماك. وقال المرشح الجمهوري الحالي دان سوليفان إن تراجع أعداد السلمون ربما يمثل «أهم قضية تواجه ألاسكا»، بينما ظهرت منافسته الديمقراطية ماري بيلتولا مرتدية أحذية مطاطية، مؤكدة أن «السمك يجري في دمي».
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «هندوستان تايمز»، فإن السباق المتقارب في الولاية الشمالية الشاسعة يحمل أهمية وطنية، في وقت يمنح نموذج «ذي إيكونوميست» الانتخابي بيلتولا فرصة تبلغ 54% للفوز بالمقعد.
لماذا تبدو انتخابات مجلس الشيوخ في ألاسكا مختلفة؟
تعيش ألاسكا معادلة سياسية لا تشبه كثيراً باقي الولايات الأمريكية. فعدد سكانها يقترب من 740 ألف نسمة فقط، فيما تمتد أراضيها على مساحة تزيد على ضعفي مساحة تكساس، وقد فاز الرئيس دونالد ترامب فيها بفارق 13 نقطة في أحدث انتخابات رئاسية، لكن سباق مجلس الشيوخ فيها لا يزال مفتوحاً.
تعود خصوصية المشهد إلى ثقافة سياسية تميل إلى المرشحين الوسطيين والتعاون العابر للأحزاب. ففي عام 2010، خسرت السيناتورة الجمهورية المعتدلة ليزا موركوفسكي الانتخابات التمهيدية أمام مرشح من تيار «حزب الشاي»، لكنها عادت وفازت بالمقعد عبر حملة كتابة الاسم على بطاقة الاقتراع، في سابقة لم تشهدها انتخابات مجلس الشيوخ منذ أكثر من نصف قرن.
وتجمع الأغلبية الحاكمة في برلمان الولاية تحالفاً يضم ديمقراطيين وجمهوريين ومستقلين، بينما تعد ألاسكا الولاية الوحيدة التي تطبق انتخابات تمهيدية غير حزبية مع نظام التصويت التفضيلي. ويقول غاري ستيفنز، رئيس مجلس شيوخ الولاية، إن الأحزاب «لا تلعب دوراً مهماً» عند لحظة الحسم.
مرشحة صنعت صورتها من حياة الصيد
تستفيد بيلتولا، وهي من سكان ألاسكا الأصليين، من هذه البيئة السياسية. فقد حققت فوزاً على مستوى الولاية عام 2022 عندما هزمت سارة بالين، الحاكمة السابقة والمرشحة الجمهورية السابقة لمنصب نائب الرئيس، لتحصل على مقعد ألاسكا في مجلس النواب الأمريكي.
وتبادلت بيلتولا وموركوفسكي التأييد في ذلك العام، كما حاولت النائبة الديمقراطية تقديم نفسها ناخبةً مصلحة الولاية قبل الانتماء الحزبي. وفي 2024، حصلت على دعم الجمعية الوطنية للبنادق، وهي منظمة أمريكية مؤثرة في الدفاع عن حقوق حيازة السلاح.
حملة سوليفان تصفها بأنها واجهة لـ«ليبراليي الولايات الـ48 السفلى»، في إشارة إلى الولايات الأمريكية خارج ألاسكا وهاواي. لكن منافسته تبني خطابها على سيرة شخصية مرتبطة مباشرة بحياة سكان الولاية؛ إذ قادت أول قارب صيد وهي في الرابعة عشرة، وفقدت زوجها في حادث تحطم طائرة صغيرة كانت تحمل كمية زائدة من لحم الموظ.
ويقول إعلان انتخابي لبيلتولا إن «لا حزب ولا سياسة» يجب أن يقفا في طريق ما تحتاجه ألاسكا. وقد بدا هذا الخطاب مقنعاً لبعض الصيادين الجمهوريين الذين حضروا مناظرة كودياك، إذ قال عدد منهم إنهم ينظرون إليها باعتبارها واحدة منهم.
النفط لا يلغي أزمة الوقود
يحاول سوليفان استثمار ملف الطاقة ضد منافسته، محذراً من أن فوزها مع أغلبية ديمقراطية في مجلس الشيوخ قد يفرض قيوداً على تأجير الأراضي والحفر في القطب الشمالي. وقال في المناظرة إن خصمته ستتحالف مع جماعات مناهضة للطاقة في الكونغرس «لإغلاق طاقة ألاسكا».
لكن بيلتولا لا تقدم نفسها خصماً لصناعة النفط. فقد بثت إعلاناً مؤيداً لتوسيع الإنتاج، تعهدت فيه بالعمل مع ترامب من أجل إتاحة مزيد من الأراضي للتنمية. وتختلف معه في آثار بعض السياسات على الولاية من دون توجيه هجوم شخصي مباشر إليه.
أكبر نقاط خلافها تتعلق بكلفة الوقود. فرغم ثراء ألاسكا النفطي، تواجه القرى النائية أعباء مرتفعة لتدفئة المنازل ونقل السلع والأشخاص لمسافات طويلة، إضافة إلى تشغيل قوارب الصيد. وقالت بيلتولا إن الوقود يمثل «الكلفة الأولى لجميع الصيادين»، معتبرة أن الحرب في إيران رفعت الأسعار إلى مستوى يهدد قدرة السكان على البقاء في الولاية.
وأظهر مسح أجرته الولاية لمجتمعات ألاسكا الريفية أن متوسط سعر البنزين بلغ 7.56 دولار للغالون، أي ما يقارب ضعف المتوسط الوطني.
تقليص الوظائف الفدرالية يصل إلى قوارب الصيد
لا تتوقف القضية عند سعر الوقود. فقد تأثرت الولاية بصورة أكبر من غيرها بتفكيك البيروقراطية الفدرالية من جانب وزارة كفاءة الحكومة، وفق التقرير. وقدرت وزارة العمل وتنمية القوى العاملة في ألاسكا أن الولاية فقدت نحو 5% من موظفيها الفدراليين خلال 2025، وهي نسبة لا تتجاوزها سوى ماريلاند ونيو مكسيكو.
وبذلك هبط التوظيف الفدرالي في ألاسكا إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من 35 عاماً. وتنعكس هذه التخفيضات على قطاع الصيد الذي يعتمد على بيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي لتحديد حصص الصيد الموسمية، ورصد المخزونات السمكية ومتابعة أحوال الطقس.
فقد مختبر الإدارة في أرخبيل كودياك، المكلف بمسح أعداد سرطان البحر في بحر بيرينغ، ثلث علمائه خلال العام الماضي بسبب الفصل أو برامج المغادرة أو التقاعد المبكر، بحسب مديره السابق مايك ليتزو. وقال إن إجراء مسح ميداني للسرطان بات يتطلب سفر العاملين إلى داتش هاربور للصعود إلى القارب، ثم المرور بما يشبه 12 طبقة من الموافقات.
وأضاف أن التدقيق الإداري طال حتى المشتريات الصغيرة، مستشهداً بحالة موظف قدم حزمة وثائق من 385 صفحة لتبرير 15 عملية شراء أجراها ببطاقة ائتمان حكومية خلال شهر واحد.
تحظى بيلتولا حتى الآن بتمويل انتخابي يقارب ضعفي ما جمعه سوليفان، وتراهن على حضورها المحلي في ولاية مترامية الأطراف تعيش فيها مجتمعات كثيرة بعيداً عن المراكز الحضرية. أما الصيادون الذين اجتمعوا في كودياك، فوجدوا في المناظرة فرصة نادرة لمواجهة المرشحين مباشرة حول قضية تمس رزقهم اليومي.








